يريد أعطياني، وزعم بعض النحويين أن"مَنْ"بعد إلا مَحْذُوفَة، كان
المعنى عِنْدَه إلا"مَنْ"ليأكلون الطعام.
وهذا خطأ بيَّنَ، لأنَّ"مَن"صِلَتها"أَنَّهم"
ليأكون"، فلا يجوز حذف الموصول وتبقيةُ الصلَةِ (1) ."
وقوله: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً) .
فيه قولان: قيل كان الرجل الشريف ربمَا أراد الإسلام فعلم أن مَنْ دُونَه
فِي الشَرَفِ قد أسْلم قبلَه فيمتنع من الإسلام لئلا يقال أسلم قبله من هو دونَهُ، وقيل كان الفقير يقول: لِمَ لَمْ أُجْعَلْ بِمَنْزِلَةِ الغَنِيِّ، ويقول ذو البلاء: لِمَ لَمْ أُجعل بمنزلة المُعَافى، نحو الأعمى والزَّمِن ومن أشبه هُؤلاءِ.
وقوله تعالى: (أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) .
(1) قال السَّمين:
قوله: {إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ} : في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّها في محلِّ نصبٍ صفةً لمفعولٍ محذوفٍ، فقدِّره الزمخشريُّ تابعاً للزجَّاج:"وما أَرْسَلْنا قبلَك أحداً من المرسلين إلاَّ آكلين وماشِين"وإنما حُذِف لمكانِ الجارِّ بعدَه. وقَدَّره ابنُ عطية:"رجالاً أو رُسُلاً". والضميرُ في"إنهم"وما بعدَه عائدٌ على هذا الموصوفِ المحذوفِ. والثاني: أنه لا محلَّ لها من الإِعرابِ، وإنما هي صلةٌ لموصولٍ محذوفٍ هو المفعولُ لأَرْسَلْنا، تقديرُه: إلاَّ مَنْ إنهم، فالضميرُ في"إنهم"وما بعدَه عائدٌ على معنى"مَنْ"المقدرةِ، وإليه ذهب الفراء. وهو مردودٌ: بأنَّ حَذْفَ الموصولِ لا يجوزُ إلاَّ في مواضعَ تَقَدَّم التنبيهُ عليها في البقرةِ. الثالث: أنَّ الجملةَ محلُّها النصبُ على الحالِ. وإليه ذهب أبو بكر بن الأنباري. قال: التقديرُ: إلاَّ وإنهم، يعني أنَّها حاليةٌ، فقدَّر معها الواوَ بياناً للحالية. ورُدَّ: بكونِ ما بعدَ"إلاَّ"صفةً لِما قبلَها. وقدَّره أبو البقاء أيضاً.
والعامَّةُ على كسرِ"إنَّ"لوجودِ اللامِ في خبرِها، ولكونِ الجملةِ حالاً على الراجحِ. قال أبو البقاء:"وقيل: لو لم تكنِ اللامُ لكُسِرَتْ أيضاً؛ لأنَّ الجملةَ حاليةٌ، إذ المعنى: إلاَّ وهم [يأْكلون"] . وقُرِئ"أنهم"بالفتح على زيادةِ اللامِ، و"أَنْ"مصدريةٌ. التقدير: إلاَّ لأنَّهم. أي: ما جَعَلْناهم رسلاً إلى الناسِ إلاَّ لكونِهم مِثْلَهم.
وقرأ العامَّةُ"يَمْشُوْن"خفيفةً. وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعبد الله"يُمَشَّوْن"مشدَّداً مبنياً للمفعولِ. أي: تُمَشِّيهم حوائجُهم أو الناسُ. وقرأ [أبو] عبد الرحمن"يُمَشُّون"بالتشديدِ مبنياً للفاعل، وهي بمعنى"يَمْشُون". قال الشاعر:
3479 ومشى بأعطانِ المَبَأءَةِ وابتغى... قلائِصَ مِنْها صَعْبَةٌ ورَكُوْبُ
قال الزمخشري:"ولو قُرِىء"يُمَشُّون"لكان أوجهَ، لولا الروايةُ"يعني بالتشديد.
قلت: قد قرأ بها السُّلَمِيُّ ولله الحمد. اهـ (الدُّرُّ المصُون) .