فنزلت سورة الفرقان في العهد المكي، وبالتالي فينبغي أن نكون قد حفظنا أن القرآن المكي يركز على أمر العقيدة ويبنيها ويؤسسها أولاً، فهذا هو الأساس المتين، هذا هو المنطلق الذي سينطلق منه العباد إلى أن يقولوا لله في كل شيء ولرسوله صلى الله عليه وسلم كذلك في كل أمرٍ يُدعون إليه: سمعنا وأطعنا، ما يستطيع أحدٌ أن يقول لأمر من الشرع أو لكل أمرٍ في الشرع ولكل نهي سمعنا وأطعنا، نعم حاضر سأفعل، إلا أن يكون أولاً قد أخذ جرعةً كافيةً من العقيدة، وقدراً كافياً من العقيدة، كما نبهت السور المكية كسورة الفرقان، بدايةً تتكلم عن الله تبارك وتعالى، وهذه موضوعاتها، وترتيب موضوعاته، بدأت أولاً بتعظيم الله وتوحيده سبحانه وتعالى {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} .
ثم تكلم عن نفسه أيضاً في ثنايا السورة في مناسبةٍ أخرى، لكن بدأت بتعظيم أعظم حقيقة، والتنبيه إلى وحدانيتها وهي ذات الله عز وجل، فلا إله إلا الله من البداية، وتلك هي بداية الانطلاق، لا أحد يُنظم لي حياتي إلا الله، ولا آخذ الأمر والنهي في الحركة والوقوف في حياتي إلا من الله فهو خالقي وأنا عبده، له كل شيء وليس لي شيء إلا بإذنه سبحانه وتعالى، إذاً ذلك هو إلهك، عظِّمه وعنده البركة كلها والخير كله.
ثم من خلال ذكر الفرقان وهو القرآن {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} ، الفرقان هو القرآن، فانفتح الحديث وانساق إلى الحديث عن القرآن، وكيف قال عنه الكافرون {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ} كلام مُفترى {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} قصص من السابقين، قصص خيالية {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا} .