سورة الفرقان هذا هو اسمها كما سماها ربنا سبحانه وتعالى، ويقال لها بين العلماء أيضاً من باب التسمية سورة تبارك الفرقان، في مقابل سورة تبارك المُلْك [1] ، فهما سورتان اثنتان فقط في القرآن كله بُدئتا بهذه الكلمة الجليلة تبارك، واحدة في هذه السورة حيث أنزل الله الفرقان، وأخرى في سورة المُلك حيث ملك الله المُلك وتصرف فيه، ومعنى تبارك أي تعالى وتعاظم، كثر خيره وزاد وعمَّ فضله وفاض، فالبركة تعني الثبوت والكثرة والنماء، ومن ذلك سميت بركة الماء وهو المكان المنخفض الذي يأوي إليه الماء من السيل وينجرف إليه من كل مكان، فيثبت في هذه الحفرة وكلما ثبت الماء الذي وصل إلى هنا جاءه غيره فيزيد حجمه وينمو ويكبر فسميت بركة ماء، بركة هنا أي ثبت وكلما ثبت الشيء زاد وكثر [2] ، فخير الله لا ينقطع، وفضل الله عظيمٌ لا ينتهي {مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} .
سورة الفرقان، هذا هو اسمها ويصح أن نقول: حفظت أو قرأت سورة تبارك الفرقان أو تبارك المُلْك، وتفصل بين الكلمتين تقف على الأولى بسكون ثم تبدأ الكلمة الثانية، وهي سورةٌ أنزلها الله تبارك وتعالى على رسوله عليه الصلاة والسلام قبل هجرته إلى المدينة، إذاً هي نازلةٌ في العهد المكي [3] ، ومما لا يحتاج إلى تنبيهٍ ولكن أُذكِّر به حضراتكم أن سور القرآن في معظمها لم تنزل السورة كتلةً واحدة ولا دفعةً واحدة، وإنما أول ما ينزل منها أولها البسملة وأول آيات، ثم يتتابع نزولها بعد ذلك ربما تستغرق سنةً أو سنتين أو سنوات، كما استغرقت سورة البقرة قرابة تسع سنوات حتى خُتمت بآخر آيةٍ من القرآن كله {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} ، وتنزل الآيات من عند الله غير مرتبة، قد تكون آيات متأخرة في السورة تنزل أولاً، وآياتٌ متقدمة تنزل ثانياً، وإذا نزلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلَّغه جبريل أن ضعوا هذه الآيات في سورة كذا في مكان كذا [4] ، فرُتِّب القرآن في سوره هكذا بترتيبٍ من عند الله تبارك وتعالى، لكن كان ترتيب النزول غير ترتيب المصحف؛ مراعاةً لأحوال العباد وشئون الأمة.