وَالْكَلَامُ الْفَصِيحُ إِذَا اعْتَوَرَهُ مِثْلُ هَذَا ضَعُفَتْ قُوَّتُهُ .. وَلَانَتْ جَزَالَتُهُ .. وَقَلَّ رونقه .. وتقلقلت ألفاظه ..
فتأمل أول «ص» وَمَا جُمِعَ فِيهَا مِنْ أَخْبَارِ الْكُفَّارِ، وَشِقَاقِهِمْ، وَتَقْرِيعِهِمْ بِإِهْلَاكِ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِهِمْ .. وَمَا ذُكِرَ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَتَعَجُّبِهِمْ مِمَّا أَتَى بِهِ، وَالْخَبَرِ عَنِ اجْتِمَاعِ مَلَئِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ .. وَمَا ظَهَرَ مِنَ الْحَسَدِ فِي كَلَامِهِمْ ..
وَتَعْجِيزِهِمْ. وَتَوْهِينِهِمْ .. وَوَعِيدِهِمْ بِخِزْيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ..
وَتَكْذِيبِ الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ .. وَإِهْلَاكِ اللَّهِ لَهُمْ .. وَوَعِيدِ هَؤُلَاءِ مِثْلَ مُصَابِهِمْ .. وَتَصْبِيرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَذَاهُمْ .. وَتَسْلِيَتِهِ بِكُلِّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. ثُمَّ أَخَذَ فِي ذكر داوود .. وَقَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ ..
كُلُّ هَذَا فِي أَوْجَزِ كَلَامٍ، وأحسن نظام .. ومنها: الْجُمْلَةُ الْكَثِيرَةُ الَّتِي انْطَوَتْ عَلَيْهَا الْكَلِمَاتُ الْقَلِيلَةُ.
وَهَذَا كُلُّهُ .. وَكَثِيرٌ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ ذُكِرَ فِي إِعْجَازِ الْقُرْآنِ إِلَى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. ذَكَرَهَا الأئمة لم نذكرها .. إذ أكثرها داخل
في باب بلاغته .. فلا نحب أَنْ يُعَدَّ فَنًّا مُنْفَرِدًا فِي إِعْجَازِهِ ..
إِلَّا فِي بَابِ تَفْصِيلِ فُنُونِ الْبَلَاغَةِ .. وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِمَّا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ عَنْهُمْ .. يُعَدُّ فِي خَوَاصِّهِ وفضائله .. لا في إِعْجَازِهِ. وَحَقِيقَةُ الْإِعْجَازِ الْوُجُوهُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي ذَكَرْنَا، فَلْيُعْتَمَدْ عَلَيْهَا.
وَمَا بَعْدَهَا .. مِنْ خَوَاصِّ الْقُرْآنِ وَعَجَائِبِهِ الَّتِي لَا تَنْقَضِي.
وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ. انتهى انتهى {الشفا، للقاضي عياض} ...