قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيُّ: مِنْ أَعْجَبِ أَمْرِهِمْ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا وَاحِدٌ مِنْ يوم أمر الله بذلك بنيّه يُقْدِمُ عَلَيْهِ .. وَلَا يُجِيبُ إِلَيْهِ .. وَهَذَا مَوْجُودٌ مَشَاهَدٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَمْتَحِنَهُ مِنْهُمْ ..
وَكَذَلِكَ آيَةُ الْمُبَاهَلَةِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى حَيْثُ: وَفَدَ عليه أساقفة نجران، وأتوا الْإِسْلَامَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ آيَةَ الْمُبَاهَلَةِ بقوله: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ» .. الْآيَةَ. فَامْتَنَعُوا مِنْهَا ..
وَرَضُوا بِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ .. وَذَلِكَ أنّ العاقب عظيمهم قال لهم:
قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ .. وَأَنَّهُ مَا لَاعَنَ قَوْمًا نَبِيٌّ قَطُّ فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ وَلَا صَغِيرُهُمْ .. «وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا» إِلَى قَوْلِهِ: «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا» . فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ كَمَا كَانَ وَهَذِهِ الْآيَةُ أَدْخَلُ فِي بَابِ الْإِخْبَارِ عَنِ الْغَيْبِ وَلَكِنْ فِيهَا مِنَ التَّعْجِيزِ مَا فِي الَّتِي قبلها ..
(فصل: في روعته في السمع وهيبته فِي الْقُلُوبِ)
وَمِنْهَا الرَّوْعَةُ الَّتِي تَلْحَقُ قُلُوبَ سَامِعِيهِ وَأَسْمَاعَهُمْ عِنْدَ سَمَاعِهِ، وَالْهَيْبَةُ الَّتِي تَعْتَرِيهِمْ عِنْدَ تِلَاوَتِهِ لِقُوَّةِ حَالِهِ وَإِنَافَةِ خَطَرِهِ ..
وَهِيَ عَلَى الْمُكَذِّبِينَ بِهِ أَعْظَمُ .. حَتَّى كَانُوا يَسْتَثْقِلُونَ سَمَاعَهُ وَيَزِيدُهُمْ نُفُورًا .. كَمَا قَالَ تَعَالَى .. وَيَوَدُّونَ انْقِطَاعَهُ لِكَرَاهَتِهِمْ لَهُ .. وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ الْقُرْآنَ صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ عَلَى مَنْ كَرِهَهُ وَهُوَ الْحَكَمُ» .
وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ .. فَلَا تَزَالُ رَوْعَتُهُ بِهِ وَهَيْبَتُهُ إِيَّاهُ مَعَ تِلَاوَتِهِ تُولِيهِ انْجِذَابًا .. وَتُكْسِبُهُ هَشَاشَةً لِمَيْلِ قَلْبِهِ إِلَيْهِ .. وتصديقه به
قال الله تَعَالَى: «تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ» .