ويمكن بعد هذا كله أن نفهم الآية على هذا المعنى الآتي - مع أن اللغة لا تمنع منه - يقول اللّه - سبحانه وتعالى -: وما أرسلنا من قبلك يا محمد من رسول له كتاب وشريعة ، ولا نبي - ليس له شريعة ولا كتاب بل ألهم أو أوحى إليه أن يتبع شريعة غيره كأنبياء إسرائيل - وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى - من الأمنية التي تهواها النفس ، وكل الأنبياء كانت تحب وتهوى أن يؤمن بهم كل الناس - ألقى الشيطان في أمنيته وفي سبيل تحقيقها من العراقيل والعقبات الشيء الكثير فكان يلقى من نفوس الناس ويزين لهم الكفر والفسوق والعصيان ، ولا شك أن الناس الذين أرسل إليهم الرسول هم محل الأمنية ، التي يتمناها النبي صلّى اللّه عليه وسلم.
فينسخ اللّه ما يلقى الشيطان ، ويزيل الوساوس من بعض قلوب الناس ثم يحكم اللّه آياته البينات ، حتى تكون محكمة سديدة عند من يؤمن بها ، واللّه عليم بخلقه حكيم في صنعه ، يعلم خلقه وما هم عليه.
ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة وضلالا للذين في قلوبهم مرض ، من شك ونفاق وحسد وبغضاء: وانظر إلى عبارة القرآن فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمراد استقر وسكن حتى أصبح طبعا وغريزة ، والقاسية قلوبهم ، وهم المشركون المكذبون ، وإن الظالمين من المنافقين والمشركين لفي شقاق بعيد الغور ، كبير الخطر ، ولهم عذاب مقيم ...
وليعلم الذين أوتوا العلم ، وهدوا إلى الصراط المستقيم ، وهم المؤمنون القانتون أنه الكتاب المحكم الآيات ، البعيد عن الشبهات ، هو الحق من ربك ، لا شك فيه تنزيل من حكيم حميد ، فيؤمنوا به إيمانا صادقا لا شبهة معه ، فتخبت له قلوبهم ، وتخشع وتسكن مخلصة مطمئنة ، وإن اللّه لهادى الذين آمنوا بهذا القرآن إلى صراط مستقيم ، وسيجازيهم على ذلك أحسن الجزاء.