والنبي أو الرسول هو أَوْلى الناس بقومه ، وهو أحرصهم على نَفْعهم وهدايتهم ، والقرآن خير يحب للناس أن يأخذوا به عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
لكن ، هل يترك الشيطان لرسول الله أنْ تتحقق أُمنيته في قومه أَمْ يضع في طريقه العقبات ، ويُحرِّك ضده النفوس ، فيتمرّد عليه قومه حيث يُذكِّرهم الشيطان بما كان لهم من سيادة ومكانة سيفقدونها بالإسلام؟
وهكذا يُلْقي الشيطان في أُمنية الرسول {إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان في أُمْنِيَّتِهِ} [الحج: 52] وما كان الشيطان ليدع القرآن ينفذ إلى قلوب الناس أو حتى آذانهم ، أليس هو صاحب فكرة: {لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ . .} [فصلت: 26] .
إن الشيطان لو لم يُلْق العراقيل في سبيل سماع القرآن ويُشكّك فيه لآمن به كل مَنْ سمعه ؛ لأن للقرآن حلاوةً لا تُقَاوم ، وأثراً ينفذ إلى القلوب مباشرة .
ومع ذلك لم يَفُتّ ما ألقى الشيطان في عَضُد القرآن ، ولا في عَضُد الدعوة ، فأخذت تزداد يوماً بعد يوم ، ويزداد عدد المؤمنين بالقرآن المصدِّقين به ، المهم أن نتنبه: كيف نستقبل القرآن ، وكيف نتلقاه ، لا بد أن نستقبله استقبالَ الخالي من هوى ، فالذي يفسد الأحكام أنْ تُستقبل وتدخل على هوى سابق .
وسبق أن قلنا: إن الحيز الواحد لا يسع شيئين في وقت واحد ، لا بُدَّ أنْ تُخرِج أحدهما لتُدخِل الآخر ، فعليك - إذن - أنْ تُخلِي عقلك وفكرك تماماً ، ثم تستقبل كلام الله ، وابحث فيه كما شئت ، فسوف تنتهي إلى الإيمان به شريطة أنْ تُصفِّي له قلبك ، فلا تُبق في ذِهْنِك ما يُعكِّر صَفْو الفطرة التي خلقها الله فيك ، عندها سيأخذ القرآن طريقه إلى قلبك ، فإذا أُشْرِب قلبُك حُبَّ القرآن ، فلا يزحزحه بعد ذلك شيء .