وذكروا دليلاً على ذلك في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللات والعزى * وَمَنَاةَ الثالثة الأخرى} [النجم: 19 - 20] ثم أضافوا: والغرانيق العلا ، وإن شفاعتهن لترتجى . وكأن الشيطان أدخل في القرآن هذا الكلام ، ثم نسخه الله بعد ذلك ، وأحكم الله آياته .
لكن هذا القول يُشكِّك في قضية القرآن ، وكيف نقول به بعد أن قال تعالى في القرآن: {نَزَلَ بِهِ الروح الأمين * على قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المنذرين} [الشعراء: 193 - 194] .
وقال: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل * لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين * فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 44 - 47] .
إذن: الحق سبحانه وتعالى حفظ قرآنه وكلامه من أمثال هذا العبث ، وكيف نُدخِل في القرآن هذه الكفريات؟ وكيف تستقيم عبارتهم: والغرانيق العلا ، وإن شفاعتهن لترتجى مع قول الله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللات والعزى * وَمَنَاةَ الثالثة الأخرى * أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى} [النجم: 19 - 22] كيف ينسجم هذا وذاك؟
فهذا الفهم في تفسير الآية لا يستقيم ، ولا يمكن للشيطان أنْ يُدخِل في القرآن ما ليس منه ، لكن يحتمل تدخُّل الشيطان على وجه آخر: فحين يقرأ رسول الله القرآن ، وفيه هداية للناس ، وفيه مواعظ وأحكام ومعجزات ، أتنتظر من عدو الله أنْ يُخلِي الجو للناس حتى يسمعوا هذا الكلام دون أنْ يُشوِّش عليهم ، ويُبلبل أفكارهم ، ويَحُول بينهم وبين سماعه؟