وقرأ بعضهم (سَكْرَى) شبهه بصريع وصرعى، ذلك أنَّ السكران مشرف على الهلكة، وباب
(فعلى) مرضوع لهذا نحو: قتلى وصرعى وزمنى وهلكى.
وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) :
يا: حرف نداء، وهو نائب عن الفعل الذي هو (أدعو) و (أنادي) ، واختلف قول أبي علي
فيه: فمرة جعل فيه الضمير الذي كان في (أدعو وأنادي) ، ومرة قال لا ضمير فيه، وهو الوجه؛ لأن الحروف لا يضمر فيها.
وأيُّ: منادى مفرد مبني على الضم، وكذا حكم كل منادى مفرد معرفة.
وإنما بني لأنه أشبه المضمر من ثلاث جهات:
أحدها: أنه مخاطب، والمخاطب لا يكون إلا مضمراً"كافًا"أو"تاء".
والثانية: أنه معرفة كما أن المضمر لا يكون إلا معرفة.
والثالثة: أنه مفرد أي غير مضاف، كما أن المضمر لا يضاف.
فمتى سقطت واحدة من هذه الخصال أعرب المنادى.
و (ها) : عوض من قطع الإضافة عن (أي) ؛ لأنها لا تكون أبداً في غير هذا المرضع إلا مضافة لفظاً
أو معنى، لأنها تدل على بعض الشيء، وبعض الشيء مضاف إلى جميعه.
واشتقاقها من (أُوي) ، ففعلوا بها ما فعلوا ب (طيّ) و (ليّ) ، وأصلها (طويّ) و (لويّ) ،
وكذا الأصل في (أي) (أوي) . والاشتقاق في الأسماء المبهمة عزيز لا يكاد يوجد منه إلا حروف
يسيرة لإيغالها في شبه الحرف، والحرف غير مشتق نحو: من وإلى وهل وما أشبه ذلك.
و (الناس) نعت لـ (أي) لا يستغني عنه؛ لأنه المنادى في المعنى، وإنما جاءوا ب (أي)
ليتوصلوا بها إلى نداء ما فيه الألف واللام، وكان أبو الحسن الأخفش يقول في (الناس) وما
يجري مجراه: هو صلة لـ (أي) .
وأجمع النحويون على الرفع في (الناس) إلا المازني، فإنه أجاز النصب وشبهه بقولك: يا
زيدُ الظريفَ، حمله على (أي) ، وهذا غير مرض منه؛ لأنَّ (الظريف) نعت يُستغنى عنه. وليس كذلك (الناس) .
و (الألف واللام) في (الناس) للعهد، وقيل للجنس، وتُأول على قول سيبويه: أنهما بدل من
الهمزة؛ لأنَّ الأصل (أناس) فحذفت الهمزة، وجعلت"الألف واللام"عوضا منها، وقال الفراء:
الأصل (الأناس) فألقيت حركة الهمزة على"اللام"وحذفت، فصار (الناس) فاجتمع المتقاربان