وما الذي يفرق بين القِتْلَتين عندهم، وكلاهما سبب من البشر وإن كانا
مطيعا بأحدهما عاصيا بالآخر، فيما أنا سائلهم فأقول: ما تقولون
فيمن أمرنا الله بقتلهم من المشركين حيث وجدناهم فقتلناهم - وقتلهم
لا محالة عقوبة لكفرهم - ، أهم ميتون بآجالهم ويسمون ميتين، أم
مقتولون بغير آجالهم وغير مسمين ميتين،
فإن قالوا: بل هم مقتولون بآجالهم ميتون به.
قيل: فلم لا كان المقتول ظلما ميتا بأجله، وكلاهما مفادت نفسه
بسبب من العبيد، وهب أن المطيع والعاصي مختلفان في الفعل كيف
تختلف المفعول به في وصول الفعل إليه وإفاتة نفسه به،
وإن قالوا: بل مقتولون بغير آجالهم غير ميتين به. لزمتهم الحجة من
جهتين.
إحداهما: أن فعلا بعينه معدودا من فاعل جورا على غيره قد رأوه
جاريا في عداد العدل وهو فعل واحد، وإن كان بمفعولين مختلفي
السيرة.
والأخرى: ما يلزمهم في قولهم من بقاء الميتة الموعد بها من قتل بغير
أجله.
ويقال لهم: أخبرونا عن القتل الذي أمر المؤمنون به للكفار، أهو
عقوبة لكفرهم أم غير عقوبة،
فإن قالوا: عقوبة لكفرهم.
قيل: فما وجه تثنية العقوبة عليهم في الآخرة بالنار، وكيف خروجه
عندكم في العدل الذي تدعون التحذلق في معرفته، والله - جل وتعالى -
يقول: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ)
إلى قوله: (كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ(191)
فإن قالوا: هو بعض أجزاء جزائهم، وطائفة من عقوبة كفرهم،
وتمامه يجزون به في النار.
قيل لهم: أَوَ للكفر عقوبة معروفة متناهية الحد يكون القتل بعضها،
فإن قالوا: نعم.
قيل: فما وجه تخليدهم في النار، والتخليد لا نهاية له، وقد
زعمتم أن عقوبتهم متناهية، والقتل طائفة منها،
فإما أن يكون قولكم في نهاية الكفر وعقوبته خطأ، وإما أن يكون
تخليدهم من العدل الذي لا تعقلونه، ويوجب عليكم القول بالقضاء،
وإعداده في وجوه العدل وإن لم تعقلوه،