قوله: {وَاقْصِدْ} ؛ أي: اقتصد في مشيك: لا مشي المتماوتين، ولا مشي الجبارين.
وقال الله تعالى: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} [سورة الإسراء: 37] .
وروى الترمذي في"الشمائل": أن عليًا رضي الله تعالى عنه كان إذا وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: كان إذا مشى تقلَّع، كأنما ينحط من صَبَب.
وفي رواية أخرى: كان إذا مشى تَكَفَّأ تكفؤًا، كأنما ينحط من صبب.
وفي حديث آخر: كان يمشي هونا ذريع المشية.
فالتقلع: رفع الرجل بقوة.
والتكفؤ: الميل إلى سنن المشي وقصده.
والهون: الرفق والوقار.
والذريع: الواسع الخطو؛ أي: إن مشيه كان يرفع فيه رجليه بسرعة، ويمد خطوه خلاف مشية المختال، وكل ذلك برفق، وتثبت دون عَجَلة، كما قال القاضي عياض رحمه الله تعالى.
وروى ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي مشيًا يعرف فيه أنه ليس بعاجز ولا كسلان.
والذي تلخص من الآيات والأحاديث: أن الأدب في المشي الاقتصاد والتوسط بين الإسراع الحثيث، وبين التماوت والاختيال.
وقد يحسن أحد الطرفين كالاختيال في الحرب، وكالإسراع إلى حضور جنائز الصالحين خشية الفوات، كما تقدم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أسرع إلى سعد بن معاذ - رضي الله عنه - إسراعًا كليًا.
ومن هذا القبيل قول الشيخ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى: من المنسرح
حَدَّثَنَا شَيْخُنَا الْكِنَانِيْ ... عَنْ أَبِهِ صاحِبِ الْخَطابَهْ
أَسْرِعْ أَخَا الْعِلْمِ فِيْ ثلاثٍ ... الأَكْلِ وَالْمَشْيِ وَالْكِتَابَهْ
وقوله: {وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ} [سورة لقمان: 19] ؛ أي: اخفض من صوتك عند الملأ، كما رواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى.
والأدب في رفع الصوت أن يقتصر منه على قدر الحاجة في إسماع المخاطب.
وقد قال ابن زيد: لو كان رفع الصوت خيرًا ما جعله الله للحمير. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.