فَمنْ فَوائِدِهَا: الاعتبار برفع الله بعض الناس درجات على بعض . ورزقه من يشاء بغير حساب ملكاً ومالاً . لما له من خفي الحكم وباهر القدرة . فلا إله سواه .
ومنها: الإشارة إلى القيام بالأسباب ، والجري وراء سنة الله في الكون من الجد والعمل . وأن على قدر بذل الجهد يكون الفوز والظفر فإن ما قص عن الإسكندر من ضربه في الأرض إلى مغرب الشمس ، ومطلعها وشمالها وعدم فتوره ووجدانه اللذة في مواصلة الأسفار وتجشم الأخطار ، وركوب الأوعار والبحار ، ثم إحرازه ذلك الفخار ، الذي لا يشق له غبار ، أكبر عبرة لأولي الأبصار .
ومنها: تنشيط الهمم لرفع العوائق . وأنه ما تيسرت الأسباب ، فلا ينبغي أن يعد ركوب البحر ولا اجتياز القفر ، عذرا في الخمول والرضاء بالدون . بل ينبغي أن ينشط ويمثل في مرارته ، حلاوة عقباه من الراحة والهناء . كما قضى الإسكندر عمره ولم يذق إلا حلاوة الظفر ولذة الانتصار: إذ لم يكن من الذين تقعدهم المصاعب عن نيل ما يبتغون .
ومنها: وجوب المبادرة لمعالي الأمور من الحداثة . إذ من الخطأ التسويف فيه إلى الاكتهال . فإن الإسكندر لما تبوأ ملك أبيه كان في حدود العشرين من عمره .
وأتى ما أتى وهو في ريعان الشباب وقوة الفناء . فهاجم أعظم ملوك عصره وأكبر جيوشهم . كأنه القضاء المبرم . ولم يقف في وجه عدد ولا عُدد . وخاض غمرات الردى غير هياب ولا وجل . وأضاف كل العالم الشرقي إلى المملكة اليونانية وهو شاب . وقضى وهو في الثالثة والثلاثين من عمره ، كما دوّنه محققو المؤرخين .
ومنها: أن من قدر على أعدائه وتمكن منهم ، فلا ينبغي له أن تسكره لذة السلطة بسوقهم بعصا الإذلال ، وتجريعهم غصص الاستعباد والنكال . بل يعامل المحسن بإحسانه والمسيء بقدر إساءته . فإن ما حكي عن الإسكندر من قوله: {قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ} [الكهف: 87] ، إلى آخره ، نهاية في العدل وغاية الإنصاف .