لم يقل في كل ذلك: أجنحتكم ولا أجنحتهم. فدل ذلك على أن الجناح ليس يداً. وإنما تشبه اليد بالجناح في مواضع إثارة العواطف كما هو. فهي في الأولى دلالة علمية مقنعة. وفي الثانية دلالة أدبية ممتعة.
أما ورود ذلك عن العرب. فالعرب ما أكثر المجازات في كلامهم. ولولا ورود المجاز عنهم لما وجد له أثر في العصور اللاحقة. ولما حفل به القرآن الكريم.
الرجوع إلى الكناية:
وكأننا بالشيخ رحمه الله قد أحس بصعف ما ذهب إليه فعدل عن الحقيقة الخالصة إلى الكناية فقال:
"والجواب: أن الجناح في قوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ} إن الجناح هنا مستعمل في حقيقته ؛ لأن الجناح يطلق على يد الإنسان وعضده وابطه ؟!!."
والخفض مستعمل في معناه الحقيقي.. لأن مريد البطش يرفع جناحيه ومظهر الذل والتواضع يخفض جناحيه. فالأمر بخفض الجناح للوالدين كناية عن لين الجانب.."."
تعقيب:
إن الذهاب إلى حقيقة الجناح والخفض - هنا - فيه حجر على معنى الآية الوارف الظلال. فقد يكون"الولد"خافض الجناحين ، وهو مع هذا من أشد الناس عنفاً. وألحقهم أذى بوالديه. ولا يكون - على هذا الفهم الضيق"باراً بوالديه ولو إذا خفض جناحيه. هذا لازم الوقوف عند المعنى الحقيقي للجناح والخفض."
وكذلك فإن رفع الجناحين لا يلزم منه الشدة والعنف ، فقد يكون دليلاً على الاستسلام وفقدان الحول والقوة.
وهذه المحاذير لا ترد إذا حملنا الكلام على التمثيل لحالة الطائر فإنه يكون أقرب ما يكون من النفع والقرب من مريديه إذا خفض جناحيه وترك الطيران وهبط على الأرض ، وحين يكون طائراً فذلك هو الشرود والعقوق بعينه ؟.
وما رأي الشيخ رحمه الله في ولد اقطع اليدين أو مشلولهما. أهذا مستحيل عليه أن يبر والديه حيث لا يدان أو لا جناحان له يخفضهما ؟.