يضاف إلى ذلك أن دلالة الإقتضاء عند الأصوليين واحدة من دلالات المجاز. وضابط المجاز ينطبق عليه تماماً. إن وجد من بينهم من يرى خلاف ذلك فما أكثر التصورات غير الدقيقة التي يثبتها كثير من الأصوليين في بحث المجاز، والعاصم من هذا الخلط هو تحقيقات البلاغيين كالسعد والسيد، وقد صححا كثيراً من تصورات الأصوليين غير الدقيقة.
أما قول الشيخ: أن القرية مستعملة في معناها الحقيقي ليتوصل بهذا القول إلى نفي المجاز عنها فهذا كذلك - مردود. لأن القرية هنا لها تخريجان:
الأول: أنها باقية على مدلولها الحقيقي فعلاً. وهذا لا يخرجها من المجاز، لأن الذي فيها مجاز عقلي واقع في النسب والإسناد. والمجاز العقلي لم تخرج فيه الألفاظ عن مدلولاتها اللغوية ولذلك كان التجوز فيه عقلياً.
الثاني: إخراجها عن المدلول اللغوي فشبهت بمن يسأل ويكون التجوز فيها لغوياً (استعارة بالكناية) وعلى كلا التقديرين فهي غير خارجة عن دائرة المجاز سواء قلنا باستعمالها في معناها الحقيقي، لو خروجها عنه فأين المفر؟.
أما قوله: جاءها المجاز من تغيير الأعراب فهو فليس بدقيق لأن تغيير
الإعراب ترتب عليه تغيير المعنى فأصبحت القرية معه"مسئولة"وكان المسئول فيما لو لم يغير إعرابها هو أهلها لا هي.
وهذه الآية لفتت نظر الرواد منذ عهد سيبويه، وكان لها فضل كبير في تنشئة المجاز وتطوره، ولكن الشيخ رحمه الله بعد خمسة عشر قرناً يريد أن يعكس مسيرة الفلك، وهذا شيء فات أوانه.
جناح الذل: