ذلك السبب هو دخول المجاز - قبله وفي عصره - في مباحث العقيدة والتوحيد، وتعلقه بصفات الباري - عز وجل - وأن فريقاً من علماء الكلام أوسعوا دائرة التأويل في النصوص المقدسة من غير ضرورة. وأدعوا أن لألفاظ القرآن الحكيم ظاهراً وباطناً يخالف كل منهما الآخر. وتعسفوا في التأويل - كما قال الإمام عبد القاهر الجرجاني من قبل - وذكر صوراً كثيرة لفوضاهم في التأويل، وعبثهم في استنباط المعاني، مما لا يؤيده نقل ولا يسلم به عقل ولا يقر به ذوق.
ودخول المجاز في هذا المجال الخطير - مجال العقيدة والتوحيد - بعد أن كان قضية بلاغية نقدية، ولغوية جمالية، هو الذي أسعر نار الثورة على المجاز عند الإمام؛ لأنه رأي في مثل تأويل"يد الله"بالقدرة تعطيلاً لصفة من صفات الله،
وليت الأمر وقف عند هذا الحد، ولكن بعض الخلف المتوسعين في التأويل رموا السلف - فيما حكاه الإمام ابن قيم الجوزية - بعدم الفهم، حيث رأوا أن مذهب السلف هو مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه ولا فهم لمراد الله ورسوله منها، واعتقدوا أن السلف بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيّ ....}
وهذا بلا نزاع تظاول على علماء السلف الأبرار، وطعن للمة في واحدٍ من أخطر مقاتلها، فلمذهب السلف وزنه وتقديره وهم من أهل القرون الأولى التي وصفها الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - بالخيرية.
هذه العوامل هيى التي دعت شيخ الإسلام بن تيمية لإنكار المجاز، وبشدة لم يعرف لها من قبله مثيل.
موطن إنكار المجاز عن شيخ الإسلام: _
وعلى كثرة ما كتب الإمام ابن تيمية فإننا نراه تصدى لإنكار المجاز - بتوسع - في كتابه الموسوم بـ"الإيمان"وكان السبب المباشر لهذا الإنكار هو إبطال مذهب المرجئة والجهمية والكرامية في تحقيق معنى الإيمان.