قال عبد الله: وقد كنت أتيته فحجبني بعض غلمانه، فحلف بالأيمان المغلَّظة أن يقلع عينا من حجبني، ثم قال: يا غلام، لا يبق في الدار غلامٌ ولا منقطعٌ إلينا إلاَّ أحضرتمونيه! قال: فأتى بغلمانه وهم نحوٌ من ثلثمائة، فقال: أشرْ إلى من شئت فيهم. فغمزني ثمامة فقلت: جُعلت فداك لا أعرفُ الغلام بعينه. فقال: ما كان لي حاجبٌ قطٌّ، ولا احتجبت، وذلك لأنَّه سبق منّي قول، لأنّي كنت وأنا بالريّ وقد مات أبي وخلَّف لي بها ضياعاً فاحتجت إلى ملاقاة الرجال والسُّلطان فيما كان لنا، فكنت أنظر إلى الناس يدخلون ويصلون وأُحجب أنا وأُقصى، فتتقاصر إليّ نفسي،
ويضيق صدري، فآليت على نفسي إن صرت إلى أمرٍ من السُّلطان ألاَّ أحتجب أبداً.
وحدثني الزُّبير بن بكّار قال: استأذن نافع بن جُبير بن مُطعم على معاوية، فمنعه الحاجب فدقَّ أنفه، فغضب معاوية وكان جُبيرٌ عنده، فقال معاوية: يا نافع، أتفعل هذا بحاجبي؟ قال: وما يمنعنيمنه وقد أساء أدبه وأسأت اختياره؟! ثم أنا بالمكان الذي أنا به منك. فقال جُبير: فضَّ الله فاك، ألاَّ تقول: وأنا بالمكان الذي أنا به من عبد مناف؟! قال: فتبسَّم معاوية وأعرض عنه.
قال: وفد رجلٌ من الأكاسرة على بعض ملوكهم، فأقام ببابه حولاً لا يصل إليه، فكلَّم الحاجب فأوصل له رقعةً فيها أربعة أسطر:
السطر الأول فيه: الأمل والضرورة أقدماني إليك.
وفي الثاني: ليس على العديم صبرٌ على المطالبة.
وفي الثالث: الرجوع بلا فائدةٍ شماتة العدوِّ والقريب.
وفي الرابع: إمّا"نعمْ"مُثمرة، وإمّا"لا"مؤيسة، ولا معنى للحجاب بينهما.
فوقع تحت كل سطرٍ منها:"زِهْ".
وأنشد الوليد بن عُبيد البحتريّ في ابن المدبِّر يهجو غلامه بشراً:
وكم جئت مشتاقاً على بُعد غايةٍ ... إلى غير مشتاقٍ وكم ردَّني بشرُ
وما باله يأبى دخولي وقد رأى ... خروجي من أبوابه ويدي صفرُ
وأنشدت لبعضهم:
لعمري لئن حجبتني العبيد ... ببابك ما يحجبوا القافية
سأرمي بها وراء الحجاب ... جزاء قروضٍ لكم وافية
تُصمُّ السَّميع وتُعمي البصير ... ويُسأل من أجلها العافية
وأنشدني أحمد بن أبي فنن، في محمد بن حمدون بن إسماعيل: