وسئل أبو العباس عن قوله: {لَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} فقال: (من جعلناه غافلاً. قال: ويكون في الكلام أغفلته سميته غافلاً، ووجدته غافلاً) ، وتأويل {أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} تركناه غُفْلا عن الذكر، كالأرض الغُفْل التي لا علامة بها، والكتاب الغُفْل الذي لا شكل عليه.
وقوله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} قال مجاهد: (ضياعا) . وقال قتادة: (ضاع أكبر الضيعة) . وقال السدي: (هلاكا) .
وقال أبو الهيثم: (أمر فرط، أي: متهاون به) . وشبه أن يكون أصل هذا من التفريط، وهو تقديم العجز، وهذا بمعنى قول أبي إسحاق. ومن قدم العجز في أمره أضاعه وأهلكه، ومعنى هذا أنه ترك الإيمان
والاستدلال بآيات الله واتبع هواه.
الليث: (الفَرَطُ: الأمر الذي يُفَرَّط فيه، تقول: كل أمر فلان فَرَط) ، ونحو هذا قال الفراء: (فُرُطا: متروكًا قد ترك فيه الطاعة) .
وقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد أنه أفرط في مسألته، وأحب أن يرتفع عند الله بغير تقوى) ، يعني حين أراد مجالسة النبي - صلى الله عليه وسلم - والقرب منه، والتقدم على أهل الإيمان من غير طاعة وتقى. وعلى هذا الفَرَط اسم من الإفراط وهو مجاوزة الحد، ونحو هذا روي عن مقاتل أنه قال في قوله: {فُرُطًا} قال: (سرفا) . فيحتمل أنه يريد بالمسرف ما ذكرنا عن ابن عباس، ويحتمل أن يريد ما ذكره الكلبي والفراء.
قال الكلبي: (قال عيينة: إنا رؤوس مضر وأشرافها، فإن نسلم يسلم الناس بعدنا) .
وقال الفراء: (إنه أفرط في القول فقال: نحن رؤوس مضر وأشرافها، وليس كذلك) .
وعلى هذا كان أمره فُرُطا لإفراطه في القول والبذخ حين قال: إنه رأس العرب وهم أتباعه على دينه. ويقال: أمر فُرُط، أي مجاوز فيه الحدود. روي عن أبي زيد البلخي أنه قال: (معناه: قدما في الشر) . وعلى هذا أصله من قوله: فَرَطَ منه أمر، أي: سبق وبدر.
ومنه قوله تعالى: {إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا} [طه: 45] ، ومنه يقال: فرس فُرُط، أي: سريعة، قال لبيد:
فُرُط وشاحي إذ غدوتُ لجامها انتهى انتهى {التفسير البسيط. 13/ 587 - 602} .