والذي يقص نبأهم هو العليم بحالهم، المدبّر لشئونهم، وفي هذا تشويق للقارئ؛ حين يسمعها من المولى عز وجل، وفي التعبير بالنبأ: إشارة إلى أن قصتهم لها شأن عظيم وخطب جليل.
{إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}
وفي التعبير بالفتوة بيان لحداثة سنهم، مع قوة إرادتهم وحماسهم للحق.
واختلفوا في سبب إيمانهم: قيل: إنهم آمنوا عن طريق حواري المسيح - عليه السلام -، ونقل المفسرون روايةً مردُّها إلى الإسرائيليات (1) .
وقيل: إنما استجابوا لنداء الفطرة فاهتدوا بفطرتهم السليمة وعقولهم الغضة، ولعلهم توصلوا إلى الحق بقراءةٍ واعية واطلاعٍ واسعٍ. (2) .
{وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}
أي بصَّرناهم بمقتضيات الإيمان وأركانه وبراهينه، فازدادوا إيمانا على إيمانهم وهدى على هداهم مصداقا لقول الحق جل وعلا {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76) } [سورة مريم 76]
وقوله تعالى {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17) } [سورة محمد 17]
قال أبو السعود:" {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} : بأن ثبتناهم على الدين وأظهرنا لهم مكنونات محاسنه" (3) .
والذي يتأمل حديثهم الممتع وعرضهم الرائع لأصول الإيمان وإدراكهم لما عليه قومهم من كفر وضلال، ودقة براهينهم وعمق تحليلاتهم، وتبصُّرهم بأمر دعوتهم، وتحليهم بمكارم الأخلاق في مجتمع ساد فيه الفساد والانحلال وعمَّه الكفرُ والضلال، المتأمل في ذلك كله يدرك أنهم كانوا على بينةٍ من أمرهم وعلم نافع وبصيرة نافذة، فضلا عن فطرتهم السليمة وعقولهم الراجحة التي كانت سببا لهدايتهم.
{ ... وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) }