فجمعوا بين الأخذ بالأسباب والتوجه إلى العزيز الوهاب فقالوا (رَبَّنَا) : وفي التعبير بعنوان الربوبية تأدُّبٌ مع الله تعالى وتودُّدٌ إليه، وتضرُّعٌ واستعطافٌ، أي: يا من خلقتنا ورزقتنا وهديتنا {آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} ، دعاء صادق من ألسنةٍ ذاكرةٍ وقلوب
خالصة ونفوس زكية، ترجو رحمة ربها وتلتمس رشده، فكان أن عمَّهم الله بفضله وشملهم برحمته وأحاطهم بعنايته.
{فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) }
فالسمعُ هو الوسيلةُ الرئيسةُ في تنبيه النائم خاصة من ينام بمعزِلٍ عن الناس، والنائم لا يسمع في العادة ما حوله من أصوات بمجرد استغراقه في النوم.
{ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12) }
أي ليتحقق ذلك الذي في علم الله تعالى عيانا، ويصير واقعا، فيتبين أيُّ الحزبين أحصى أَمَدَهُمْ: أي مدة لبثهم في الكهف، حيث صارت تلك المدةُ موضعَ خلاف بين العلماء، أو المراد بالحزبين: أهل الكهف حيث زعم بعضهم أنهم لم يلبثوا إلا يوما أو بعض يوم، وبعضهم ظنَّ أن المدةَ طالت فتوقف وفوّض علم المدة إلى الله، كما سيأتي بيانُه في الحوار الذي دار بينهم، عندما انتبهوا من نومهم فتساءلوا بينهم قال تعالى {وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ}
الفتية في رحاب الإيمان وكنف الرحمن.
{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ} تفصيلٌ بعد إجمال وتقريرٌ بعد بيانٍ، فالقرآن الكريم كتاب الحق نزل بالحق على قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي لا ينطق إلا بالحق، وقصصه الحق وكل ما فيه من حكم وأحكام وعبر وعظات ووعد ووعيد هو الحق من عند الله.