والثاني: أن باب ذلك الكهف كان مفتوحاً إلى جانب الشمال ، فإذا طلعت الشمس كانت عن يمين الكهف ، وإذا غربت كانت عن يساره ، ويؤيد القول الأوّل قوله: {ذلك مِنْ آيات الله} فإن صرف الشمس عنهم مع توجه الفجوة إلى مكان تصل إليه عادة أنسب بمعنى كونها آية ، ويؤيده أيضاً إطلاق الفجوة وعدم تقييدها بكونها إلى جهة كذا ، ومما يدلّ على أن الفجوة المكان الواسع قول الشاعر:
ألبست قومك مخزاة ومنقصة... حتى أبيحوا وخلوا فجوة الدار
ثم أثنى سبحانه عليهم بقوله: {مَن يَهْدِ الله} أي: إلى الحق {فَهُوَ المهتد} الذي ظفر بالهدى وأصاب الرشد والفلاح {وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّا مُّرْشِدًا} أي: ناصراً يهديه إلى الحق كدقيانوس وأصحابه.
ثم حكى سبحانه طرفاً آخر من غرائب أحوالهم فقال: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا} جمع يقظ بكسر القاف وفتحها {وَهُمْ رُقُودٌ} أي: نيام ، وهو جمع راقد كقعود في قاعد.
قيل: وسبب هذا الحسبان أن عيونهم كانت مفتحة وهم نيام.
وقال الزجاج: لكثرة تقلبهم {وَنُقَلّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال} أي: نقلبهم في رقدتهم إلى الجهتين لئلا تأكل الأرض أجسادهم {وَكَلْبُهُمْ باسط ذِرَاعَيْهِ} حكاية حال ماضية ، لأن اسم الفاعل لا يعمل إذا كان بمعنى المضيّ كما تقرر في علم النحو.
قال أكثر المفسرين: هربوا من ملكهم ليلاً ، فمرّوا براع معه كلب فتبعهم.