وأما قوله:"ولذلك فضح الله بهما كل مدع"فنقول في جوابه: لا نسلم أن الله فضح المدعين بحاسة النكاح، وإنما فضحهم بدعواهم الكلام. ولو كانت حاسة النكاح تقتضي الفضيحة لافتضح بها الأنبياء كلهم، بل جميع الخلق كآدم ونوح وإبراهيم، وخصوصا إسرائيل وداود وسليمان فإنهم كانوا كثيري النساء والسراري وكثرة تشاغل إبراهيم وبنيه بالجماع هو الذي أوجب كثرة نسلهم وانتشار الشعوب منهم، لأن الجماع سبب النسل، وكثرة المسبب يدل على كثرة السبب.
وبالجملة: فمن جعل حاسة النكاح عارا. فقد ألحق العار بسائر الأنبياء والصديقين والصالحين وعباد الله أجمعين. وإن عارا بتلبس إبليس. هؤلاء كلهم ليس بعار:
وعيروني بذلي في محبتها ... والذي عيروني تم لي الشرف
قلت: والذي أوجب لهذا النصراني تقديم هذا الكلام، وتقبيح حاسة النكاح هو كونه رأى المسيح لا داعي له إليها، ورأى محمداً - صلى الله عليه وسلم - شديد الداعي إلى ذلك. كما نقل عنه حيث يقول:"حبب إليَّ من الدنيا ثلاث: الطيب، والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة"، وأنه تزوج كثيرًا وتسرى، فأراد العلج أن يجعل هذا مطعنا عليه.
ولقد تاه عن الصواب. فإن نكاح النساء هو عين الطهارة، لما فيه من تحصين الدين، والإعانة على تقوى رب العالمين، ولهذا كان محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى امرأة أعجبته دخل على بعض نسائه يقضي حاجته منها، ثم خرج.
وفعل ذلك يوما ثم خرج على أصحابه، فقال:"إن المرأة إذا أقبلت أقبل معها شيطان يزينها فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله، فإن معها مثل الذي معها".
وقال:"إذا كانت لأحدكم إلى امرأته حاجة فليأتها، وإن كانت على التنور"
كل ذلك محافظة على حفظ الدين، لئلا يغلب الإنسان عليه بداعي الشيطان والهوى.
كما حكى في التوراة: أن"يهوذا بن يعقوب"تعرضت له كنته - زوجة ابنه - في الطريق في صورة زانية، فواقعها على أن يعطيها جديا ورهنها عليه عمامته وقضيبا كان بيده.
وأن روبيل، وطئ سرية أبيه يعقوب ونجس فراشه. ونحن لا نقول بصحة هذا ولكنه حجة على النصارى واليهود، وتحقيق ذلك وتلخيصه: أن شهوة النكاح في الإنسان طبيعية كشهوة الأكل والشرب، وحب الغلبة والرئاسة، بل هي أشد الشهوات. ولذلك كان أكثر افتتان العالم بها، فقضاؤها وأمن عائلتها بالطريق الحلال المصطلح عليه في النواميس الإلهية أولى في العقل
من التعرض وتركها لمعصية الرحمن وطاعة الشيطان.