وقول محمد - عليه السلام: حبب إلي من دنياكم النساء، ليس ذلك لغلبة شهوته عقله، كيف ذلك وسيرته: سيرته. لمن تأملها، وثباته: ثباته. بل إنما مقصود ذلك: أن يتفرغ خاطره التفرغ الكلي لأداء الرسالة، والقيام بأعبائها - كما يتفرغ الجائع بالأكل - لأداء العبادات.
وقد ورد في السنة النبوية الصحيحة عن يوشع بن نون. أنه لما توجه إلى بعض مغازيه، أحسبها: غزاة أريحا، مدينة الجباربن - قال لقومه:"لا ينبغي رجل قد ملك بضع امرأة يريد أن يبني بها"
ولما يبن ولا آخر قد بنى بيوتا، ولم يرفع. ولا آخر قد اشترى غنما، أو خلفات، وهو ينتظر أولادها .. الحديث. رواه أحمد. وأخرجاه في الصحيحين.
كل ذلك مراعاة لاجتماع الخواطر في طاعة الله، وحذرا من تفرق الهمم فيها، ونظائر هذا في شريعتنا مطلوب كالنهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين، وكذلك الشبق، وكل ما يلهي.
وبالجملة: فكل عبادة اللّه - سبحانه - ينبغي للإنسان أن لا يدخل فيها، حتى يحسم مواد اشتغال قلبه عنها ما أمكن، ومن هذا، أو قريبا منه قوله - صلى الله عليه وسلم:"لا يقضي القاضي وهو غضبان"
لأن القضاء عبادة، والغضب يشغل عنه. وكذلك كل ما في معنى الغضب من مرض أو حر أو برد أو شبق ونحو ذلك فلهذا كان عليه السلام يحب الطيب لا ليلتذ به في نفسه، بل إكراما للملائكة الذين معه خصوصا جبريل صاحب الوحي. ولهذا كان يبغض الثوم والبصل، وكل ذي ريح كريهة، وقال لأصحابه:"إني أناجي من لا تناجون. وإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه"
بنو آدم"."
وأما المسيح فلعله في ترك النكاح، كان عنينا، أو لكونه كان لا من ذكر"أو لكونه ملكا ظهر في صورة آدمي، فغلبت عليه صفة الملائكة. كما قال الله - سبحانه - (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا) الآية."
أو لكونه كان هو اللّه أو ابنه على رأي النصارى الساقط - تعالى اللّه عما يقولون.
ونحن نقول: إن المسيح لو تأسى بسائر الأنبياء في النكاح والنسل، وتكثير العباد والعُبَّاد لكان ذلك أكمل له. فالذي يحتج علينا في حاسة النكاح بترك المسيح له، نحتج عليه في فضيلته بفعل جميع الأنبياء له وليس المسيح - عليه السلام - بخير من جميع الأنبياء، إلا على هذيان النصارى في أنه: الله، أو ابن الله، وذلك ممنوع عند كل عامل، بل هو عبد الله ورسوله، وسيأتي تمام
الكلام على هذا الشرط عند ذكر تفاصيله. انتهى انتهى {الانتصارات الإسلامية، للطوفي} ...