بَلْ سُئِلْنَا: هَلْ يَعْلَمُ اللهُ عَدَدَ أَنْفَاسِ أَهْلِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ؟
لَمْ يَسَعْنَا أَنْ نَقُولَ: (لَا) ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِشْعَارِ بِالجَهْلِ، وَلَا (نَعَمْ) ؛ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ يَفْنَوْنَ.
قَالَ النَّسَفِيُّ فِي «بَحْرِ الكَلَامِ» : «وَالجَوَابُ: أَنْ نَقُولَ: إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ [أَنَّ] أَنْفَاسَ أَهْلِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ لَيْسَتْ بِمَعْدُودَةٍ، وَلَا تَنْقَطِعُ» .
وَعَلَى هَذَا: فَيَنْبَغِي أَنَّ الغَايَةَ غَيْرُ دَاخِلَةٍ، وَأَنَّ المُرَادَ بِالأَبَدِ: (إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) ، أَوْ هِيَ دَاخِلَةٌ وَيُحْمَلُ عَلَى مَا يَتَنَاهَى؛ كَالحِسَابِ وَالمِيزَانِ وَأَحْوَالِ المَحْشَرِ، لَا مَا بَعْدَ ذَلِكَ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ كَوْنَ القَلَمِ كَتَبَ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ مَخْصُوصٍ بِأَمْرٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا عَلِمَهُ - سُبْحَانَهُ - أَبْرَزَهُ أَوْ أَظْهَرَهُ فِي اللَّوْحِ - وَلَوْ لِلْمَلَائَكَةِ - ؛ لأَنَّ إِسْرَافِيلَ خَادِمُ اللَّوْحِ مُلْتَقِمُ الصُّورِ، وَيَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ فِيهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ فِيهِ، وَلَكِنْ لَمْ يُطْلِعْهُ عَلَيْهِ عَالِمُ الغَيْبِ، فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولِهِ، وَاللهُ - تَعَالَى - بِحَقِيقَةِ الحَالِ أَعْلَمُ.
وَلَعَمْرِي؛ إِنَّ عُقُولَنَا لَا تُدْرِكُ اللَّوْحَ، وَلَا القَلَمَ، وَلَا كَيْفِيَّةَ جَرَيَانِهِ بِمَقَادِيرَ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا - هَلْ كَانَ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ؟ أَوْ فِي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ؟ وَأَيُّ مُدَّةٍ تَسَعُ ذَلِكَ؟! - ، وَلَا كَيْفِيَّةَ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ وَسُؤَالِ المَلَكَيْنِ لِخَلَائِقَ لَا يُحْصَوْنَ - مَعَ تَبَاعُدِهِمْ - فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَلَا تُدْرِكُ الصِّرَاطَ وَالمِيزَانَ وَكَيْفِيَّةَ الوَزْنِ، وَلَا مُسَاءَلَةَ المَلَكِ فِي القَبْرِ؛ بَلْ وَلَا تُدْرِكُ أَنْفُسَنَا الَّتِي مَعَنَا.
فَلَا يَسَعُنَا إِلَّا الإِيمَانُ بِذَلِكَ، وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ وَحَقِيقَتُهُ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - ؛ {يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} ؛ سِيَّمَا مُدَّعِي العِلْمِ؛