وَقَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: فَمَا مَضَى مِنْ أَجَلِهِ فَهُوَ النُّقْصَانُ، وَمَا يُسْتَقْبَلُ مِنْ عُمُرِهِ فَهُوَ الَّذِي يُعَمَّرُهُ، فَالهَاءُ عَائِدَةٌ عَلَى هَذَا المُعَمَّرِ.
وَعَنْ سَعِيدٍ - أَيْضًا -: يُكْتَبُ: (عُمْرُهُ كَذَا وَكَذَا سَنَةً) ، ثُمَّ يُكْتَبُ أَسْفَلَ ذَلِكَ: (ذَهَبَ يَوْمٌ، ذَهَبَ يَوْمَانِ، ذَهَبَ ثَلَاثَةٌ ...) ، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى آخِرِهِ، حَكَاهُ القُرْطُبِيُّ وَالبَغَوِيُّ.
وَمَذْهَبُ الفَرَّاءِ فِي مَعْنَى {وَمَا يُعَمَّرُ} ؛ أَيْ: مَا يُطَوَّلُ مِنْ عُمُرِهِ، {وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} بِمَعْنَى: مُعَمَّرٍ آخَرَ؛ أَيْ: وَلَا يُنْقَصُ الآخَرُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ، فَالكِنَايَةُ فِي {عُمُرِهِ} تَرْجِعُ إِلَى آخَرَ غَيْرِ الأَوَّلِ، وَكَنَى عَنْهُ بِالهَاءِ كَأَنَّهُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّ لَفْظَ الثَّانِي لَوْ ظَهَرَ كَانَ كَالأَوَّلِ، وَمِثْلُهُ: قَوْلُكُ: (عِنْدِي دِرْهَمٌ وَنِصْفُهُ) ؛ أَيْ: نِصْفٌ آخَرُ.
وَقِيلَ: المَعْنَى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ} ؛ أَيْ: هَرِمَ، {وَلَا يُنْقَصُ} آخَرُ مِنْ عُمُرِ ذَلِكَ الهَرِمِ {إِلَّا فِي كِتَابٍ} ؛ أَيْ: بِقَضَاءٍ مِنَ اللهِ - تَعَالَى - ، رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ الضَّحَّاكِ، وَاخْتَارَهُ النَّحَّاسُ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ القُرْطُبِيُّ: «فَالهَاءُ - عَلَى هَذَا - يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلْمُعَمَّرِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِغَيْرِ المُعَمَّرِ» .
وَعَنْ قَتَادَةَ: (المُعَمَّرُ) : مَنْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً، وَالمَنْقُوصُ مِنْ عُمُرِهِ: مَنْ يَمُوتُ قَبْلَ سِتِّينَ سَنَةً.
وَأَجَابُوا عَنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} بِأَنَّ المُرَادَ بِالأَجْلِ الأَوَّلِ: أَجَلُ المَاضِينَ، وَبِالأَجَلِ الثَّانِي: أَجَلُ البَاقِينَ.
وَقِيلَ: المُرَادُ بِالأَوَّلِ: أَجَلُ المَوْتِ، وَبِالثَّانِي: أَجَلُ الحَيَاةِ فِي الآخِرَةِ؛ لأَنَّهُ لاَ آخِرَ لَهَا وَلَا انْقِضَاءَ.
وَقِيلَ: إِنَّ الأَجَلَ الأَوَّلَ هُوَ مَا بَيْنَ خَلْقِ الإِنْسَانِ إِلَى مَوْتِهِ، وَالثَّانِي: مَا بَيْنَ مَوْتِهِ إِلَى بَعْثِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّ الأَجَلَ الأَوَّلَ هُوَ النَّوْمُ، وَالثَّانِي هُوَ الوَفَاةُ.