وَفِي «تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ» : قَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَوَّلُ شَيْءٍ خَلَقَ اللهُ: القَلَمُ؛ مِنْ نُورٍ، طُولُهُ خَمْسُ مِئَةِ عَامٍ، فَقَالَ القَلَمُ: اِجْرِ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلٍ؛ بَرِّهَا وَفَاجِرِهَا، وَرَطْبِهَا وَيَابِسِهَا» .
فَثَبَتَ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بُطْلَانُ مَذْهَبِ القَدَرِيَّةِ - وَمَنْ وَافَقَهُمْ - .
وَفِي الحَدِيثِ: «القَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ، إِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ» .
وَهَذَا أَوَانُ الشُّرُوعِ فِي المُرَادِ، وَعَلَى اللهِ الهِدَايَةُ إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ.
أَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} ؛ فَـ (المَحْوُ) : ذَهَابُ أَثَرِ الكِتَابَةِ، يُقَالُ: (مَحَاهُ يَمْحُوهُ مَحْوًا) ، إِذَا ذَهَبَ أَثَرُهُ، كَذَا فِي «تَفْسِيرِ ابْنِ عَادِلٍ» ، وَ (يُثْبِتُ) قَرَأَهُ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ وَعَاصِمٌ بِالتَّخْفِيفِ، مِنْ (أَثْبَتَ) ، وَقَرَأَهُ البَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي حَاتِمٍ لِكَثْرَةِ مَنْ قَرَأَ بِهَا، وَلِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} .
وَمَفْعُولُ (يُثْبِتُ) مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: (وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ) ، إِلَّا إِنَّهُ اسْتُغْنِيَ بِتَعْدِيَةِ الفِعْلِ الأَوَّلِ عَنْ تَعْدِيَةِ الثَّانِي؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ -: {وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} ... .
إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا؛ فَذَهَبَ جَمْعٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ إِلَى أَنَّ العُمُرَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَكَذَا القَوْلُ فِي السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ، وَالإِيمَانِ وَالكُفْرِ؛ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ، وَبِهِ قَالَ الإِمَامُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو وَائِلٍ، وَكَعْبُ الأَحْبَارِ، وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ - وَغَيْرُهُمْ - .
وَهُوَ قَوْلُ الكَلْبِيِّ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: يَمْحُو مِنَ الرِّزْقِ وَيَزِيدُ فِيهِ، وَيَمْحُو مِنَ الأَجَلِ وَيَزِيدُ فِيهِ.