ونأخذ من قوله الحق: {... لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد: 38]
أن لكل رسالة رسولها ، ولكل رسالة مكانها ، ولكل رسالة معجزتها ، فإذا كان الأمر كذلك فدعوا محمد صلى الله عليه وسلم وما اختاره الله له ؛ في المكان الذي شاءه سبحانه ، وفي الزمان ؛ وفي المعجزة المصاحبة له صلى الله عليه وسلم .
ولكن ، أهناك تغيير بعد أن يقول الحق سبحانه: {... لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد: 38]
نعم هناك تغيير ، وانظروا إلى قول الحق سبحانه من بعد ذلك:
{يَمْحُواْ الله مَا يَشَآءُ ...}
والمَحْو كما نعلم هو الإزالة ، والتثبيت أي: أن يُبقِي الحق ما يراه ثابتاً .
وقد فهم بعض الناس خطأ أن كل حُكْم في القرآن قد جاء ليثبُتَ وسيظلّ هكذا أبدَ الدهر ؛ ولكن عند التطبيق ظهر أن بعض الأحكام يقتضي تغييرها يغيرها الله لحكمة فيها خير البشرية .
ونقول: لا ، لم يحدث ذلك ، ولكن كانت هناك أحكام مَرْحلية ؛ ولها مُدَّة مُحدَّدة ؛ ولذلك جاء قول الحق سبحانه: {... وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب} [الرعد: 39]
أي: عنده اللوح المحفوظ الذي تحدَّدتْ فيه الأحكام التي لها مُدَّة مُحدّدة ؛ وما أن تنتهي إلا وينزل حُكْم آخر مكانها ، وعلى هذا المعنى يمكن أن نقول: إنه لم يوجد نَسْخٌ للأحكام ، لأن معنى النَّسْخ أن يُزحزِحَ حُكْماً عن زمانه ؛ وهنا لم نجد حُكْماً يتزحزحُ عن زمانه ؛ لأن كل حُكْم موقوتٌ بوقت محدود ؛ وما أن ينتهي الوقت حتى يبدأ حُكْم جديد .
أقول ذلك كي أنبِّه العلماء إلى ضرورة أنْ يجلسوا معاً لدراسة ذلك ، حتى لا يختلف العلماء: أهناك نَسْخ أم لا ، وأقول: فَلْنُحدد النَّسْخ أولاً ، لأن البعض يظن أن هناك حكماً كان يجب أن ينسحب على كل الأزمنة ، ثم جاء حُكْم آخر ليحل محله لحكمة تقتضيها مصلحة البشرية والمراد لله منها .