وبهذا يتحصل أن لفظ {ما يشاء} عام يشمل كل ما يشاؤه الله تعالى ولكنه مجمل في مشيئة الله بالمحو والإثبات ، وذلك لا تصل الأدلة العقلية إلى بيانه ، ولم يرد في الأخبار المأثورة ما يبينه إلا القليل على تفاوت في صحة أسانيده.
ومن الصحيح فيما ورد من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم"إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكونُ بينَه وبينها إلاّ ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها."
وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها"."
والذي يلوح في معنى الآية أن ما في أم الكتاب لا يقبل محواً ، فهو ثابت وهو قسيم لما يشاء الله محوه.
ويجوز أن يكون ما في أم الكتاب هو عين ما يشاءُ الله محوه أو إثباته سواء كان تعييناً بالأشخاص أو بالذوات أو بالأنواع وسواء كانت الأنواع من الذوات أو من الأفعال ، وأن جملة {وعنده أم الكتاب} أفادت أن ذلك لا يطلع عليه أحد.
ويجوز أن يكون قوله: {وعنده أم الكتاب} مراداً به الكتاب الذي كتبت به الآجال وهو قوله: {لكل أجل كتاب} ، وأن المحو في غير الآجال.
ويجوز أن يكون أم الكتاب مراداً به علم الله تعالى ، أي يمحو ويثبت وهو عالم بأن الشيء سيُمحى أو يثبت.
وفي تفسير القرطبي عن ابن عمر قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"يمحو الله ما يشاء ويثبت إلاّ السعادة والشقاوة والموت".
وروى مثله عن مجاهد.
وروى عن ابن عباس {يمحوا الله ما يشاء ويثبت} إلا أشياء الخَلْقَ بفتح الخاء وسكون اللام والخُلُق بضم الخاء واللام والأجل والرزقَ والسعادة والشقاوة ، {وعنده أم الكتاب} الذي لا يتغيّر منه شيء .
قلت: وقد تفرع على هذا قول الأشعري: إن السعادة والشقاوة لا يتبدلان خلافاً للماتريدي.
وعن عمر وابن مسعود ما يقتضي أن السعادة والشقاوة يقبلان المحو والإثبات.