يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَفَرِحَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَسَطَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الرِّزْقِ عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَمَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ بِمَا بَسَطَ لَهُمْ فِيهَا، وَجَهِلُوا مَا عِنْدَ اللَّهِ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالنَّعِيمِ ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ قَدْرِ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا فِيمَا لِأَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ عِنْدَهُ فِي الْآخِرَةِ وَأَعْلَمَ عِبَادَهُ قِلَّتَهُ، فَقَالَ: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ}
يَقُولُ: وَمَا جَمِيعُ مَا أَعْطَى هَؤُلَاءِ فِي الدُّنْيَا مِنَ السَّعَةِ، وَبَسَطَ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الرِّزْقِ وَرَغَدِ الْعَيْشِ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ قَلِيلٌ، وَشَيْءٌ حَقِيرٌ ذَاهِبٌ.
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، فِي قَوْلِهِ: {وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ} قَالَ: «كَزَادِ الرَّاعِي يُزَوِّدُهُ أَهْلُهُ الْكَفَّ مِنَ التَّمْرِ، أَوِ الشَّيْءَ مِنَ الدَّقِيقِ، أَوِ الشَّيْءَ يَشْرَبُ عَلَيْهِ اللَّبَنَ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَقُولُ لَكَ يَا مُحَمَّدُ مُشْرِكُو قَوْمِكَ: هَلَّا أُنْزِلَ عَلَيْكَ آيَةٌ مِنْ رَبِّكَ، إِمَّا مَلَكٌ يَكُونُ مَعَكَ نَذِيرًا، أَوْ يُلْقَى إِلَيْكَ كَنْزٌ، فَقُلْ: إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مِنْكُمْ مَنْ يَشَاءُ أَيُّهَا الْقَوْمُ فَيَخْذُلُهُ عَنْ تَصْدِيقِي وَالْإِيمَانِ بِمَا جِئْتُهُ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّي، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ، فَرَجَعَ إِلَى التَّوْبَةِ مِنْ كُفْرِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ، فَيُوَفِّقُهُ لِاتِّبَاعِي وَتَصْدِيقِي بِهِ عَلَى مَا جِئْتُهُ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ، وَلَيْسَ ضَلَالُ مَنْ يَضِلَّ مِنْكُمْ بِأَنْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ آيَةٌ مِنْ رَبِّي، وَلَا هِدَايَةُ مَنْ يَهْتَدِي مِنْكُمْ بِأَنَّهَا أُنْزِلَتْ عَلَيَّ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِيَدِ اللَّهِ، يُوَفِّقُ مَنْ يَشَاءُ مِنْكُمْ لِلْإِيمَانِ، وَيَخْذُلُ مَنْ يَشَاءُ مِنْكُمْ فَلَا يُؤْمِنُ.