والثابت أن المعاملة الكريمة مع المسيء وغيره أفضل وأجدى وأوقع أثرا لأنها تهوّن الأمر، وتستل الأحقاد، وتكون عاقبتها أسلم.
وبعد أن وصف الله المؤمنين العقلاء بتلك الصفات الحميدة، ذكر جزاءهم بقوله: أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ أي أولئك الموصوفون بما ذكر لهم العقبى الحسنة والسعادة في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فهو النصر على الأعداء، وأما في الآخرة فهو الجنة.
ثم أوضح هذه العقبى فقال: جَنَّاتُ عَدْنٍ .. أي تلك العقبى هي الجنات التي يقيمون فيها إقامة دائمة.
يدخلونها هم والصالحون المؤمنون من أزواجهم وأصولهم وفروعهم، وهو دليل على أن سمو الدرجة يكون بالشفاعة، وأن التقييد بالصلاح يدل على أن مجرد الأنساب لا تنفع، فلا تفيد الأنساب شيئا إذا لم تقرن بالعمل الصالح، وكما قال تعالى: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ [المؤمنون 23/ 101] وقال سبحانه: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء 26/ 88 - 89]
(وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لفاطمة في مرض موته فيما رواه الترمذي: «يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا» .
وتأتيهم الملائكة عند دخولهم الجنة من أبواب مختلفة قائلين لهم: سلام عليكم بصبركم، أي أمن دائم عليكم، ورحمة من ربكم، فنعم عقبى الدنيا الجنة. فقوله سَلامٌ مشتمل على محذوف تقديره: ويقولون: سلام عليكم.
روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي أمامة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يزور قبور الشهداء في رأس كل حول، فيقول لهم: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ، فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ
وكذلك كان يفعل أبو بكر وعمر وعثمان.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على الأحكام التالية:
1 -وجوب الوفاء بالعهد: وهو يشمل كل حقوق الله وفرائضه وحقوق العباد.
2 -تحريم نقض المواثيق الإلهية والبشرية: فإذا عقد الإنسان عهدا في طاعة الله، أو مع الناس، لم يجز نقضه.
3 -وجوب صلة الأرحام ورعاية جميع حقوق الله وحقوق العباد، وذلك يتناول جميع الطاعات والإيمان بجميع الكتب والرسل كلهم.