الأول منها: أنهم من شدة ما يرون من هول العذاب لو استطاعوا أن يجعلوا ما في الأرض جميعًا ومثله معه فديةً لأنفسهم .. لفعلوا, ولو فادوا به .. لم يقبل منهم، فإن المحبوب أولًا لكل إنسان هو ذاته، وما سواها فيحبه لكونه وسيلةً إلى مصالحها، فإذا كان مالكًا لهذا العالم كله ولما يساويه جعله فداء لنفسه؛ وفي هذا من التهويل الشديد ومن سوء ما يلقاهم في ذلك اليوم ما لا يخفى على من اعتبر وتذكر.
والثاني منها: ما ذكره بقوله: {أُولَئِكَ} المعاندون الذين لم يستجيبوا لربهم {لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ} ؛ أي: قبيح الحساب وشديد المناقشة؛ فيناقشون على الجليل والفقير والحقير، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: الحساب السيء، وهو أن يحاسب الرجل على كل ما عمل من الذنوب، ولا يغفر له شيء منه، والمناقشة في الحساب أن يستقصي فيه بحيث لا يترك منه شيء ، يقال: ناقشه الحساب إذا عاسره فيه واستقصى فلم يترك قلبي، ولا كثيرًا. وفي الحديث:"من نوقش الحساب عذب". وقال النواوي: هذا لمن لم يحاسب نفسه في الدنيا، فيناقض بالصغيرة والكبيرة، فأما من تاب وحاسب نفسه .. فلا يناقش كما في"الفتح القريب"ذلك أن كفرهم أحبط أعمالهم، وارتكابهم للشرور والآثام ران على قلوبهم وجعلها تستمرئ الغواية والضلالة، وحبهم للدنيا جعلهم يعرضون عما يقربهم إلى الله زلفى، فباؤوا بالخسران والهوان والنكال.
والثالث منها: ما ذكره بقوله: {وَمَأْوَاهُمْ} ؛ أي: مقرهم في الآخرة بعد المناقشة والحساب {جَهَنَّمُ} ؛ أي: نار جهنم.
فَإِنْ قُلْتَ: هلا قيل: ومأواهم النار؟
قلت: لأن في ذكر جهنم تهويلًا وتفظيعًا، ويحتمل أن يكون جهنم هي أبعد النار قعرًا، من قولهم: بئر جهنم بعيدة القعر.
قال بعضهم: جهنم: لفظ معرب، وكأنه في الفرس: جَهْ نم. {وَبِئْسَ الْمِهَادُ} ؛ أي: وبئس المسكن مسكنهم في الآخرة، والمخصوص بالذم هي؛ أي: جهنم
وقيل المهاد: الفراش، يعني: وبئس الفراش يفرش لهم في جنهم، إذ أنهم غفلوا عما يقربهم إلى ربهم، وينيلهم كرامته ورضوانه، واتبعوا أهواءهم وانغمسوا في لذاتهم، فحقت عليهم كلمته {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} .