هذا القول مشتمل على استفهامين من المشركين، يقصدون بهما أَقصى درجات الإِنكار، للعودة إِلى الحياة مرة أُخرى، حيث يخلقون خلقا جديدًا بعد أَن تحللت أَجسامهم، ونخرت عظامهم، وأَصبحوا ترابًا تذروه الرياح، ولو فكر هؤلاءِ المنكرون بعقولهم لعلموا أَن من قدر على إِنشاءِ تلك الكائنات وإِبداعها من تراب، فإِنه قادر على إِعادتها، بل الإِعادة في نظر القياس أَهون. وإِن كان كل شيءٍ أَمام قدرة الله سواءٌ. فهو الذي يقول للشيءِ كن فيكون.
وقد عقب الله هذه الجملة التي نعت عليهم تكذيبهم بقوله:
(أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) : أَي هؤُلاءِ المكذبون للبعث هم الذين كفروا بربهم ولم يؤْمنوا به. إِذ لو آمنوا به وبأَنه خالق السماوات والأَرض - كما يجيبون إِذا سئلوا - لعلموا أَنه قادر علي بعث الأَجساد بعد استحالتها إِلى تراب تفرقت ذراته. فهم ليسوا أَشد خلقًا من السماءِ التي بناها ورفع سمكها وسواها، وأَغطش ليلها وأَخرج ضحاها.
ولما كان هذا الكفر مع وضوح الأَدلة أَمرًا منكرًا فظيعًا يستحقون عليه أَشد العقاب أَنذرهم الله سبحانه وتعالى بقوله: (وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ) : أَي أَن جزاءَهم يوم الحساب أَن يسحبوا إِلى النار بأَطواق في أَعناقهم تحقيرًا لهم وتسفيهًا.
وقال بعض المفسرين هو تمثيل لحالهم الشنيعة في الضلال وتقليد الآباءَ بحال المقيدين بالأَغلال في أَعناقهم، فهم مثلهم في الحرمان من نعمة الحرية وكَبْتِ الإرادة، وضيق آفاقها، والحرمان من الخير، وسوء العاقبة.
ثم ختمت الآية بقوله تبارك تعالى:
(وَأولَئِكَ أصْحَابُ النارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) : أَي وأُولئك المكذبون بالبعث الكافرون بربِهم المكبلون بالأَغلال في أَعناقهم - أُولئِك الموصوفون بهذه الصفات - هم أَصحاب النار الملازمون لها - الماكثون فيها فلا ينفكون عنها ولا يخرجون منها أبدًا.
(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ(6 ) )
المفردات: