وذكر الثعلبيّ والنحاس عن ابن عباس قال: كانوا بشراً فضَعُفوا من طول البلاء ، ونسوا وظنُّوا أَنَّهُمْ أخلِفوا ؛ ثم تلا: {حتى يَقُولَ الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} [البقرة: 214] .
وقال الترمذيّ الحكيم: وجهه عندنا أن الرسل كانت تخاف بعدما وعد الله النصر ، لا من تهمة لوعد الله ، ولكن لتهمة النفوس أن تكون قد أحدثت حَدَثاً يَنْقُض ذلك الشرط والعهد الذي عهد إليهم ؛ فكانت إذا طالت (عليهم) المدّة دخلهم الإياس والظنون من هذا الوجه.
وقال المهدويّ عن ابن عباس: ظنّت الرُّسل أنهم قد أُخلِفُوا على ما يلحق البشر ؛ واستشهد بقول إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى} [البقرة: 260] الآية.
والقراءة الأولى أولى.
وقرأ مجاهد وحميد"قَدْ كَذَبوا"بفتح الكاف والذال مُخَفّفاً ، على معنى: وظنّ قوم الرسل أن الرسل قد كَذَبوا ، لما رأوا من تفضّل الله عزّ وجلّ في تأخير العذاب.
ويجوز أن يكون المعنى: و (لما) أيقن الرسل أن قومهم قد كَذَبوا على الله بكفرهم جاء الرسلَ نصرُنا.
وفي البخاريّ عن عروة عن عائشة قالت له وهو يسألها عن قول الله عزّ وجلّ: {حتى إِذَا استيأس الرسل} قال قلت: أكُذِبُوا أم كُذِّبوا؟ قالت عائشة: كُذِّبوا.
قلت: فقد استيقنوا أن قومهم كذّبوهم فما هو بالظن؟ قالت: أَجَل لعمري! لقد استيقنوا بذلك ؛ فقلت لها:"وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا"قالت: معاذ الله! لم تكن الرسل تظنّ ذلك بربها.
قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل (الذين آمنوا بربهم وصدّقوهم ، فطال عليهم البلاء ، واستأخر عنهم النصر حتى إذا استيأس الرسل) ممن كذّبهم من قومهم ، وظنّت الرسل أن أتباعهم (قد) كذبوهم جاءهم نصرنا عند ذلك.
وقي قوله تعالى: {جَآءَهُمْ نَصْرُنَا} قولان: أحدهما: جاء الرسلَ نصُر الله ؛ قاله مجاهد.