كما أن الرسول يُفترض فيه ألاّّ يسقط عنه تكليف تعبديّ في أي وقت من الأوقات ؛ والمرأة يسقط عنها التكليف التعبدي أثناء الطمث ، ومهمة الرسول تقتضي أن يكون مُسْتوفي الأداء التكليفي في أيِّ وقتٍ .
ثم كيف يطلبون ذلك ولَمْ تَأْتِ في مهام الرسل من قبل ذلك إلا رجالاً ، ولم يسأل الحق أيّاً منهم ، ولم يستأذن من أيِّ واحد من الرسل السابقين ليتولى مهمته ؛ بل تلقَّى التكليف من الله دون اختيار منه ، ويتلقى ما يؤمر أن يبلغه للناس ، ويكون الأمر بواسطة الوحي .
والوحي كما نعلم إعلام بخفاء ، ولا ينصرف على إطلاقه إلا للبلاغ عن الله . ولم يوجد رسول مُفوَّض ليبلغ ما يحب أو يُشرِّع ؛ لكن كل رسول مُكلَّف بأن ينقل ما يُبَلغ به ، إلا محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد فوَّضه الحق سبحانه في أن يُشرِّع ، ونزل في القرآن: {مَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا ...} [الحشر: 7]
ويقول الحق سبحانه عن هؤلاء الرسل السابقين أنهم: {مِّنْ أَهْلِ القرى ...} [يوسف: 109]
والقرية كانت تأخذ نفس مكانة المدينة في عالمنا المعاصر . وأنت حين تزور أهل المدينة تجد عندهم الخير عكس أهل البادية ، فالبدويّ من هؤلاء قد لا يجد ما يُقدِّمه لك ، فقد يكون ضرع الماشية قد جَفَّ ؛ أو لا يجد ما يذبحه لك من الأغنام .
والفارق بين أهل القرية وأهل البادية أن أهل القرية لهم توطُّن ؛ ويملكون قدرة التعايش مع الغير ، وترتبط مصالحهم ببعضهم البعض ، وترِقُّ حاشية كل منهم للآخر ، وتتسع مداركهم بمعارف متعددة ، وليس فيهم غِلْظة أهل البادية .
فالبدويُّ من هؤلاء لا يملك إلا الرَّحْل على ظهر جَمله ؛ ويطلب مساقط المياه ، وأماكن الكلأ لما يرعاه من أغنام .
وهكذا تكون في أهل القرى رِقَّة وعِلْم وأدبُ تناولٍ وتعاملٍ ؛ ولذلك لم يَأْتِ رسول من البدو كي لا تكون معلوماته قاصرة ، ويكون جافاً ، به غِلْظة قوْلٍ وسلوك .