{قال} لهم {إنما أشكو بثي} والبث أشد الحزن سمي بذلك ؛ لأنه من صعوبته لا يطاق حمله فيباح به وينشر {وحزني} مطلقاً وإن كان سببه خفيفاً يقدر الخلق على إزالته {إلى الله} المحيط بكل شيء علماً وقدرةً لا إلى غيره ، فهو الذي تنفع الشكوى إليه {وأعلم من الله} ، أي: الملك الأعلى من اللطف بنا أهل البيت {ما لا تعلمون} فيأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب ، وفي ذلك إشارة إلى أنه كان يعلم حياة يوسف ، ويتوقع رجوعه إليه وذكروا لسبب هذا التوقع أموراً: أحدها: أنّ ملك الموت أتاه فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف؟ قال: لا يا نبي الله ، ثم أشار إلى جانب مصر وقال: اطلبه من ههنا ولذلك قال:
{يا بنيّ اذهبوا فتحسسوا} ، أي: والتحسيس طلب الخبر بالحاسة وهو قريب من التجسيس بالجيم ، وقيل: التحسيس بالحاء يكون في الخير ، وبالجيم يكون في الشرّ ومنه الجاسوس وهو الذي يطلب الكشف عن عورة الناس ، والمعنى تحسسوا خبراً {من} أخبار {يوسف وأخيه} ، أي: اطلبوا خبرهما.
وثانيها: أنه علم أنّ رؤيا يوسف عليه السلام صادقة ؛ لأنّ أمارات الرشد والكمال ظاهرة في حق يوسف عليه السلام ، ورؤيا مثله لا تخطئ.
وثالثها: لعله تعالى أوحى إليه أنه سيوصله إليه ، ولكنه تعالى ما عين الوقت ، فلهذا بقي في القلق.