قوله تعالى: {قال لهم أبوهم} يعني يعقوب لمن حضره من أهله وقرابته وولد ولده {إِني لأجد ريح يوسف} .
ومعنى أجد: أشم ، قال الشاعر:
وَلَيْسَ صَرِيْرُ النَّعْشِ مَاتَسْمَعُونَه ...
وَلَكِنَّها أَصْلاَبُ قَوْمٍ تَقَصَّف
وَلَيْسَ فَتِيقُ المِسْكِ مَاتَجِدُونَه ...
وَلَكِنَّه ذَاكَ الثَّنَاءُ المُخلَّفُ
فإن قيل: كيف وجد يعقوب ريحه وهو بمصر ، ولم يجد ريحه من الجب وبعد خروجه منه ، والمسافة هناك أقرب؟
فعنه جوابان.
أحدهما: أن الله تعالى أخفى أمر يوسف على يعقوب في بداية الأمر لتقع البلية التي يتكامل بها الأجر ، وأوجده ريحه من المكان النازح عند تقضِّي البلاء ومجيء الفرج.
والثاني: أن هذا القميص كان في قصبة من فضة معلَّقا في عنق يوسف على ما سبق بيانه.
فلما نشره فاحت روائح الجنان في الدنيا فاتصلت بيعقوب ، فعلم أن الرائحة من جهة ذلك القميص.
قال مجاهد: هبت ريح فضربت القميص ، ففاحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب فوجد ريح الجنة ، فعلم أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إِلا ما كان من ذلك القميص ، فمن ثم قال: {إِني لأجد ريح يوسف} .
وقيل: إِن ريح الصبا استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل البشير فأذن لها ، فلذلك يستروح كل محزون إِلى ريح الصبا ، ويجد المكروبون لها رَوْحاً ، وهي ريح لينة تأتي من ناحية المشرق ، قال أبو صخر الهذلي:
إِذا قُلْتُ هَذَا حِينَ أَسْلُو يَهِيْجُني ...
نَسِيْمُ الصَّبا مِنْ حَيْثُ يطَّلِعُ الفَجْرُ
قال ابن عباس: وجد ريح قميص يوسف من مسيرة ثمان ليال ثمانين فرسخاً.
قوله تعالى: {لولا أن تفنِّدونِ} فيه خمسة أقوال.
أحدها: تُجهِّلونِ ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس ، وبه قال مقاتل.
والثاني: تسفِّهونِ ، رواه عبد الله بن أبي الهذيل عن ابن عباس ، وبه قال عطاء ، وقتادة ، ومجاهد في رواية.
وقال في رواية أخرى: لولا أن تقولوا: ذهب عقلك.