وجاءت تلك السنون بهول عظيم لا يوصف ؛ قال ابن عباس: لما كان ابتداء القحط بينا الملك في جوف الليل أصابه الجوع في نصف الليل ، فهتف الملك يا يوسف! الجوع الجوع فقال يوسف: هذا أوان القحط ؛ فلما دخلت أوّل سنة من سنيّ القحط هلك فيها كل شيء أعدّوه في السنين المخصِبة ، فجعل أهل مصر يبتاعون الطعام من يوسف ؛ فباعهم أوّل سنة بالنقود ، حتى لم يبق بمصر دينار ولا درهم إلا قبضه ؛ وباعهم في السنة الثانية بالحليّ والجواهر ، حتى لم يبق في أيدي الناس منها شيء ؛ وباعهم في السنة الثالثة بالمواشي والدواب ، حتى احتوى عليها أجمع ، وباعهم في السنة الرابعة بالعبيد والإماء ، حتى احتوى على الكل ؛ وباعهم في السنة الخامسة بالعقار والضيّاع ، حتى ملكها كلها ؛ وباعهم في السنة السادسة بأولادهم ونسائهم فاسترقهم جميعاً وباعهم في السنة السابعة برقابهم ، حتى لم يبق (في السنة السابعة) بمصر حر ولا عبد إلا صار عبداً له ؛ فقال الناس: والله ما رأينا ملكاً أجلّ ولا أعظم من هذا ؛ فقال يوسف لملك مصر: كيف رأيت صنع ربي فيما خَوّلني! والآن كل هذا لك ، فما ترى فيه؟ فقال: فوضت إليك الأمر فافعل ما شئت ، وإنما نحن لك تبع ؛ وما أنا بالذي يستنكف عن عبادتك وطاعتك ، ولا أنا إلا من بعض مماليكك ، وخَوَل من خَوَلك ؛ فقال يوسف عليه السلام: إني لم أعتقهم من الجوع لأستعبدهم ، ولم أُجرهم من البلاء لأكون عليهم بلاء ؛ وإني أشهد الله وأشهدك أني أعتقت أهل مصر عن آخرهم ، ورددت عليهم أموالهم وأملاكهم ، ورددت عليك ملكك بشرط أن تستنّ بسنّتي.
ويروى أن يوسف عليه السلام كان لا يشبع من طعام في تلك السنين ، فقيل له: أتجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: إني أخاف إن شبعت أن أنسى الجائع ؛ وأمر يوسف طباخ الملك أن يجعل غذاءه نصف النهار ، حتى يذوق الملك طعم الجوع ، فلا ينسى الجائعين ؛ فمن ثَمَّ جعل الملوك غذاءهم نصف النهار.