فَأَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّهُ الْقَمِيصُ فَكَانَ يَصِحُّ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ حَالِهِ بِتَقْدِيرِ مَقَالِهِ ؛ فَإِنَّ لِسَانَ الْحَالِ أَبْلَغُ مِنْ لِسَانِ الْمَقَالِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ ، وَقَدْ تُضِيفُ الْعَرَبُ الْكَلَامَ إلَى الْجَمَادَاتِ بِمَا تُخْبِرُ عَنْهُ بِمَا عَلَيْهَا مِنْ الصِّفَاتِ ، وَمِنْ أَجْلَاهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: قَالَ الْحَائِطُ لِلْوَتَدِ: لِمَ تَشُقُّنِي.
قَالَ: سَلْ مَنْ يَدُقُّنِي ، مَا تَرَكَنِي وَرَأْيِي هَذَا الَّذِي وَرَائِي ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: {مِنْ أَهْلِهَا} فِي صِفَةِ الشَّاهِدِ يُبْطِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَمِيصَ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُ ابْنُ عَمِّهَا أَوْ رَجُلٌ آخَرُ مِنْ أَصْحَابِ الْعَزِيزِ ، فَإِنَّهُ مُحْتَمَلٌ ؛
لَكِنَّ قَوْلَهُ: {مِنْ أَهْلِهَا} يُعْطِي اخْتِصَاصًا مِنْ جِهَةِ الْقَرَابَةِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُ كَانَ صَغِيرًا فَهُوَ الَّذِي يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَّهُ قَدْ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ أَرْبَعَةٌ:"عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، وَابْنُ مَاشِطَةِ فِرْعَوْنَ ، وَشَاهِدُ يُوسُفَ ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ ،"وَنَقَصَهُمْ اثْنَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَ النَّبِيُّ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ أَنَّهُمْ لَمَّا حُفِرَتْ لَهُمْ الْأَرْضُ ، وَرُمِيَ فِيهَا بِالْحَطَبِ وَأُوقِدَتْ النَّارُ عَلَيْهَا ، وَعُرِضَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقَعُوا فِيهَا أَوْ يَكْفُرُوا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ.
فَوَقَفَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ ، وَكَانَ فِي ذِرَاعِهَا صَبِيٌّ فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّهْ ، إنَّك عَلَى الْحَقِّ. وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ.