عفيفة ألقت بريبة عن نفسها
لما أكثر الأحوص التشبيب بأم جعفر الخطميّة جاءته يوما متنقبّة وهو في نادي قومه، فقالت: إدفع لي ثمن الأغنام التي ابتعتها منّي فقال: والله ما ابتعت منك شيئا. فقالت لقومه: قولوا له لا يجحد الحق. فقالوا: إن كان حق فلا تجحدنّه. فقال والله ما عرفتها قط فتكشفت عن وجهها وقالت: لعلك لا تستثبتني، فقولوا له يستثبتني فقالوا له: فقال:
والله ما عرفتها قطّ ولا رأيتها ولا شاهدتها، فقالت: مالك تشبب بي وتفضحني؟ فخجل وانزجر ولم يعد وكذّبته عشيرته.
امرأة لطيفة القول بعيدة التناول
قال شاعر:
يحسبنّ من لين الحديث زوانيا ... ويصدّهنّ عن الخنا الإسلام
ومرّ عبد الله بن جعفر بامرأة مزيّنة مطيّبة جالسة على باب دارها وفي يدها سبحة، فقال: ما التسبيح بمشابه لحالك؟ فأنشدت:
ولله عندي جانب لا أضيعه ... وللهو منّي جانب ونصيب
ولست أبالي من رماني بريبة ... إذا كنت عند الله غير مريب
وقال علي بن الجهم:
وقلن لنا نحن الأهلّة إنّما ... نضيء لمن يسري بليل ولا نقري
فلا بذل إلا ما تزوّد ناظر ... ولا وصل إلا بالخيال الذي يسري
وزاد أبو سعيد الرستمي فقال:
وحسناء لم تأخذ من الشمس شيمة ... سوى قرب مسراها وبعد منالها
وقال المتنبيّ:
كأنّها الشمس تعي كفّ قابضها ... لبعدها ويراها الطرف مقتربا
مدح المرأة العفيفة
قال الشنفرى:
لقد أعجبتني لا سقوط قناعها ... إذا ما مشت ولا بذات تلفّت
كأن لها في الأرض نسيا تقصّه ... على أمّها أو إن تكلمك تنكت
وقال جميل:
خود من الخفرات البيض لم يرها ... بسدّة البيت لا بعل ولا جار
وقال حسّان:
حصان رزان ما تزن بريبة
وقال الموسوي:
دون القباب عفاف مع خلائقها ... والصوت تحفيظ ما لا تحفظ الخيم
وكانت قرشية رأى شعرها رجل فحلقته وقالت: لا أريد شعرا اكتحل به نظر غير ذي محرم.
من تجنّب العفة فاستوخم عقبى أمره
من ذلك خبر يسار الكواكب، وهو عبد تعرض لابنة سيده فقالت له: يا يسار شرب من هذا السمار وقل في ظل الأشجار وإيّاك وبنات الأحرار. فلما أبى دعته إلى نفسها، وكانت قد أعدت موسى فجبت به مذاكيره، فصار مثلا.
وكان أبرويز اختبر رجلا فرآه زانيا خائنا فوسمه بسمة الزناة ونفاه من المدائن فأخذ موسى وجب نفسه وقال: من أطاع عضوا صغيرا فسدت سائر أعضائه فمات من ساعته. انتهى انتهى {محاضرات الأدباء، للراغب الأصفهاني} ...