ويدفع هذا الطعن أن أبا عبيدة لما قال ذلك علمنا أنه لا يرى منع تقديم جواب {لولا} ، على أنه قد يجعل المذكور قبل {لولا} دليلاً للجواب والجواب محذوفاً لدلالة ما قبل {لولا} عليه.
ولا مفرّ من ذلك على كل تقدير فإن {لولا} وشرطها تقييد لقوله: {وهمّ بها} على جميع التأويلات ، فما يقدّر من الجواب يقدّر على جميع التأويلات.
وقال جماعة: هَمّ يوسف بأن يجيبها لما دعته إليه ثم ارعوى وانكفّ على ذلك لما رأى برهان ربه.
قاله ابن عباس ، وقتادة ، وابن أبي مليكة ، وثعْلب.
وبيان هذا أنه انصرف عمّا همّ به بحفظ الله أو بعصمته ، والهمّ بالسيئة مع الكف عن إيقاعها ليس بكبيرة فلا ينافي عصمة الأنبياء من الكبائر قبل النبوءة على قول من رأى عصمتهم منها قبل النبوءة ، وهو قول الجمهور ، وفيه خلاف ، ولذلك جوز ابن عباس ذلك على يوسف.
وقال جماعة: هَمّ يوسف وأخذ في التهيّؤ لذلك فرأى برهاناً صرفه عن ذلك فأقلع عن ذلك.
وهذا قول السديّ ، ورواية عن ابن عباس.
وهو يرجع إلى ما بيناه في القول الذي قبله.
وقد خبط صاحب"الكشاف"في إلصاق هذه الروايات بمن يسميهم الحشوية والمجْبرة ، وهو يعني الأشاعرة ، وغض بصره عن أسماء من عزيت إليهم هذه التّأويلات (رمتني بدائها وانسلت) ولم يتعجب من إجماع الجميع على محاولة إخوة يوسف عليه السّلام قتلَه والقتلُ أشد.
والرؤية: هنا عِلمية لأن البرهان من المعاني التي لا ترى بالبصر.
والبرهان: الحجة.
وهذا البرهان من جملته صرفهُ عن الهمّ بها ، ولولا ذلك لكان حال البشرية لا يسلم من الهمّ بمطاوعتها في تلك الحالة لتوفّر دواعي الهمّ من حسنها ، ورغبتها فيه ، واغتباط أمثاله بطاعتها ، والقرب منها ، ودواعي الشباب المسولة لذلك ، فكان برهان الله هو الحائل بينه وبين الهمّ بها دون شيء آخر.