قلت: ما ذكره من (هذا) التفصيل صحيح ؛ لكن قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ} يدلّ على أنه كان نبيًّا على ما ذكرناه ، وهو قول جماعة من العلماء ؛ وإذا كان نبيّا فلم يبق إلاّ أن يكون الهمّ الذي همّ به ما يخطر في النفس ولا يثبت في الصدر ؛ وهو الذي رفع الله فيه المؤاخذة عن الخلق ، إذ لا قدرة للمكلَّف على دفعه ؛ ويكون قوله: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي} إن كان من قول يوسف أي من هذا الهمّ ، أو يكون ذلك منه على طريق التواضع والاعتراف ، لمخالفة النفس لما زكّي به قبل وبريء ؛ وقد أخبر الله تعالى عن حال يوسف من حين بلوغه فقال:"وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً"على ما تقدّم بيانه ، وخبر الله تعالى صدق ، ووصفه صحيح ، وكلامه حق ؛ فقد عمل يوسف بما علمه الله من تحريم الزّنى ومقدماته ، وخيانة السيد والجار والأجنبي في أهله ؛ فما تعرّض لامرأة العزيز ، ولا أجاب إلى المراودة ، بل أدبر عنها وفرّ منها ؛ حكمة خص بها ، وعملاً بمقتضى ما علّمه الله.
وفي صحيح مسلم عن أبي هُريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قالت الملائكة رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به فقال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها وإن تركها فاكتبوها له حسنة إنما تركها من جَرَّاي"وقال عليه السلام مخبراً عن ربه:"إذا همّ عبدي بسيئة فلم يعملها كتبت حسنة"فإن كان ما يهم به العبد من السيئة يكتب له بتركها حسنة فلا ذنب ؛ وفي الصحيح:"إن الله تجاوز لأمتي عما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تَكلّم به"وقد تقدّم.