القول الأول: ما ذكره بعض التابعين ، وحكاه الزمخشري من أن الاستثناء
هو من الخلود في النار ، أو من أصل دخولها ، والمستثنون هم فسقة أمة محمد ،
وغيرهم ممن يؤمنون باللَّه ، وكان منهم عصيان ، فإنهم يدخلون النار على مقدار
معاصيهم ، ويشاء اللَّه أن يخرجوا فيخرجون ، أو أن تنفعهم شفاعة الشافعين ، على
رأي جمهور العلماء .
وإن هذا القول قد يستقيم بالنسبة للذين شقوا ، ولكنه لَا يستقيم في الذين
سعدوا .
والقول الثاني: أن قوله تعالى: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) فيها بيان أن العذاب
والعقاب متعلق بمشيئته فهو الفاعل المختار ، والأمر في ذلك متعلق بمشيئته هو في
العدل والرحمة ، فليس بحتم عليه: (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)
فإذا كان قد أدخل الكفار النار فبمشيئته ، وإذا كان قد أعطى المؤمنين
الأتقياء جنة ، فبرحمته ومشيئته ، وعطائه ، ولذا قال بعد ذلك(عَطَاءً غَيْرَ
مَجْذُوذٍ): وهذا القول مستقيم نختاره ، ونذكر القول الثالث ، ونراه معقولا في
الجملة ولا نرده:
القول الثالث: أن هذا ذكر للاستثناء في مقام الفعل ، أخذ به اللَّه في حقه
ليندب خلقه إليه ، كما قال تعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا(23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ...).
وإذا كنا لم نختر هذا القول ، بل اخترنا الثاني فإنا لَا نقول: إنه قول باطل ،
وإنما اختيارنا للثاني لأنه صحيح في ذاته ، ويرشح له قوله تعالى بعد ذلك:(إِن
رَبَّكَ فَعَّالٌ لمَا يُرِيدُ)فهذا النص السامي يثبت أن إرادة الله مطلقة في كل ما يعطي ،
وكل ما يمنع .
وقوله تعالى إلا ما شاء الله: التعبير بـ (مَا) دون (مَن) لأن معناها أنه إلا أن
يشاء اللَّه هذا ما ينال الذين شقوا من عذاب ، أما ما يناله الذين سعدوا ، فقد بينه
بقوله تعالى: