وأحسن ما قيل فيه وهو قول الفراء: أن أصله (لَمِن ما) بكسر الميم الأولى على أنَّها الجارة، فقلبت النون ميمًا لأجل الإدغام، فاجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت إحداهن كراهة اجتماع الأمثال، وهي الأولى، وأدغمت الوسطى فبقي (لَمَّا) كما ترى.
وساغ حذف الأولى وإبقاء الوسطى وهي ساكنة، لاتصال اللام بها.
و (ما) هي الخبر وهي نكرة بمعنى مَنْ.
والمعنى: وإنَّ كلَّا لَمِن خَلْقٍ، أو لَمِنْ بَشَرٍ والله ليوفينهم ربك جزاء ما صدر منهم.
وقد جوز أن يكون الأصل لَمَن ما - بفتح الميم - على أنَّها اسم، فما على هذا تكون مزيدة، والمحذوفة هي الوسطي، والتقدير: وإن كلًّا لَخَلْقٌ أو لَبَشَرٌ والله ليوفينهم أعمالهم.
وقيل: إن {لَمَّا} هنا مصدر لَمَّ يَلُمُّ لَمًّا، إذا جمع، كالذي في قوله عزَّ وجلَّ: {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا} ، أي: جامعًا لأجزاء المأكول، لكن أجرى الوصل مجرى الوقف، تعضده قراءة من قرأ: (وأن كُلًّا لَمًّا) بالتنوين، وهما الزهري، وسليمان بن أرقم على معنى وإنّ كُلًّا
ملمومين، بمعنى مجموعين، كأنه قيل: وإنَّ كلَا جميعًا، كقوله: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} .
ولا يجوز انتصابه على الحال من ضمير المفعول في {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ} كما زعم بعضهم؛ لأنَّ لام القسم تمنع ذلك، وهذا أيضًا قولٌ حسن من جهة المعنى ومن جهة العربية، لأنَّ إجراء الوصل مجرى الوقف سائغ في كلام القوم نظمهم ونثرهم، وبذلك قرأ جماعة من القراء في الكتاب العزيز، وشهرته تغني عن ذكره.
وقال أبو إسحاق: وقال بعضهم قولًا لا يجوز غيره - والله أعلم: إن (لمّا) هنا بمعنى إلَّا، كما تقول: سالتك لما فعلت، وإلّا فعلت، ومثله: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} معناه إلّا.
وليس الأمر كما زعم؛ لأن لَمَّا بمعنى إلّا لا تكون إلّا بعد الطلب، أو النفي نحو: نشدتك الله لما فعلت، {إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ} ، وليس هنا في الآية معنى نفي ولا طلب.