بمقتضى ذلكَ ، فعلِمُوا أنَّ اللَّهَ إنَّما أسكَنَ عبادَهُ في هذه الدَّارِ ، ليبلُوهم أيُّهم
أحسنُ عملاً ، كما قال: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) ،
وقال: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) .
قال بعضُ السلفِ: أيهم أزهدُ في الدنيا ، وأرغبُ في الآخرةِ ، وجعل ما
في الدنيا من البهجةِ والنُضرةِ محنةً لينظر من يقفُ منهم معه ، ويرْكَنُ إليه.
ومن ليسَ كذلك ، كما قال تعالى: (إِئا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لنَبْلُوَهُمْ أَيّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) ، ثمَّ بيّن انقطاعَهُ ونفادَهُ ، فقال: (وَإِنَّا لَجَاعِلونَ مَا عَلَيهَا صَعِيدًا جُرُزًا) ، فلمَّا فهِمُوا أنَّ هذا هو المقصودُ من الدنيا ، جعلُوا
همَّهم التزودَ منها للآخرةِ التي هي دارُ القرارِ ، واكتفُوا منَ الدنيا بما يكتفِي به
المسافرُ في سفر ، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:
"ما لي وللدنيا ، إنما مثلي ومثلُ الدُّنيا كرَاكبٍ قالَ في ظِلِّ شجرةٍ ، ثم راحَ وترَكها".
ووصَّى - صلى الله عليه وسلم - جماعةً من الصحابةِ أن يكونَ بلاغُ أحدِهم من الدنيا كزادِ الراكبِ ، منهم: سلمانُ ، وأبو عُبيدةَ بنُ الجراح ، وأبو ذرٍّ ، وعائشةُ ، ووصَّى ابنَ عمرَ أن يكون في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل ، وأن يعُدَ نفسَهُ من أهلِ القبورِ.
قوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)
قوله - صلى الله عليه وسلم - بعد هذا:
"وأسألُك لذة النظرِ إلى وجهِكَ والشوقَ إلى لقاتِكَ من غيرِ"
ضراءَ مضرة ولا فتنة مضلة"."
فهذا يشتملُ على أعْلَى نعيم المؤمنِ في الدنيا والآخرةِ ، وأطيبِ عيشٍ لهم
في الدارين.