«فإن قلت» : ما معنى قوله: {لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ} ؟
قلت: هو دعاء بلفظ الأمر كقوله: ربنا اطمس واشدد. وذلك أنه لما عرض عليهم آيات الله وبيناته عرضا مكررا، وردد عليهم النصائح والمواعظ زمانا طويلا. وحذرهم من عذاب الله ومن انتقامه، وأنذرهم سوء عاقبة ما كانوا عليه من الكفر والضلال، ورآهم لا يزيدون على عرض الآيات إلا كفراً وعلى الإِنذار إلا استكبارا، وعن النصيحة إلا نبوا، ولم يبق له مطمع فيهم. وعلم بالتجربة وطول الصحبة أو بوحى من الله، أنه لا يجيء منهم إلا الغى والضلال.
لما رأى منهم كل ذلك: اشتد غضبه عليهم، وكره حالهم، فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره وهو ضلالهم.
فكأنه قال:"ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال. .".
وعلى أية حال فهذه الأقوال الثلاثة، لكل واحد منها اتجاهه في التعبير عن ضيق موسى - عليه السلام - لإِصرار فرعون وشيعته على الكفر، ولما هم فيه من نعم لم يقابلوها بالشكر، بل قابلوها بالجحود والبطر.
وإن كان الرأي الأول هو أظهرها في الدلالة على ذلك، وأقربها إلى سياق الآية الكريمة.
(فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ(94)
قال صاحب الكشاف ما ملخصه:
«فإن قلت» : كيف قال الله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ...} ؟
قلت: هو على سبيل الفرض والتمثيل. كأنه قيل: فإن وقع لك شك - مثلا - وخيل لك الشيطان خيالا منه تقديرا {فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءُونَ الكتاب} .
والمعنى: أن الله - عز وجل - قدم ذكر بني إسرائيل، وهم قراءة الكتاب ووصفهم بأن العلم قد جاءهم، لأن أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكتوب عندهم في التوراة والإِنجيل، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فأراد أن يؤكد علمهم بصحة القرآن، وصحة نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ويبالغ في ذلك فقال: فإن قوع لك شك فرضا وتقديرا.
فسل علماء أهل الكتاب يعني أنهم من الإِحاطة بصحة ما أنزل إليك، بحيث يصلحون لمراجعة مثلك، فضلا عن غيرك.
فالغرض وصف الأحبار بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا صوفه بالشك فيه.