هَاجَرَ إِلَّا لِيَقْتُلَهُ الْمُشْرِكُونَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَسْتَرِيحَ مِنْهُ . وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ بِأَعْجَبَ وَلَا أَبْطَلَ مِنْ قَوْلِ الشِّيعِيِّ إِنَّ إِخْرَاجَ الصِّدِّيقِ إِنَّمَا كَانَ حَذَرًا مِنْ شَرِّهِ . فَلْيَتَّقِ اللهَ مَنْ فَتَحَ هَذَا الْبَابَ ، الْمُسْتَهْجَنَ عِنْدَ أُولِي الْأَلْبَابِ"اهـ ."
أَقُولُ: وَمِنْ هَذَا الْبَابِ فِي سُوءِ التَّأْوِيلِ ، الَّذِي يَقُولُهُ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ لِمَحْضِ التَّضْلِيلِ ، تَأْوِيلُ مُعَاوِيَةَ لِحَدِيثِ"وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ"فَإِنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ فِئَتَهُ قَالَ: إِنَّمَا قَتَلَهُ مَنْ أَخْرَجَهُ - يَعْنِي عَلِيًّا كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ - بَلْ هَذَا التَّأْوِيلُ الْبَاطِلُ أَقْرَبُ إِلَى اللُّغَةِ مِنْ تَأْوِيلِ الرَّوَافِضِ لِخُرُوجِ الصِّدِّيقِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَذْكُورِ آنِفًا إِنْ صَحَّ أَنْ يُسَمَّى تَأْوِيلًا ، وَإِنَّمَا هُوَ تَضْلِيلٌ لَا تَأْوِيلٌ ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْفِرْيَةَ الَّتِي افْتَجَرَهَا هَؤُلَاءِ الْفَجَرَةُ لَيْسَ لَهَا شُبْهَةٌ لُغَوِيَّةٌ لَا مِنْ أَلْفَاظِ الْآيَةِ ، وَلَا مِنْ أَلْفَاظِ أَحَادِيثِ الْهِجْرَةِ ، بَلْ هِيَ مُصَادَمَةٌ لِلنُّصُوصِ كُلِّهَا وَمُنَاقَضَةٌ لِمَا تَوَاتَرَ وَصَارَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ مِنْ سِيرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَشْأَةِ الْإِسْلَامِ مِنْ مُلَازَمَةِ الصِّدِّيقِ لَهُ مِنْ أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إِلَى آخِرَ حَيَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا لَا حَاجَةَ إِلَى شَرْحِهِ ، وَلَا سِيَّمَا بَعْدَ مَا بَسَطْنَاهُ هُنَا مِنْ أَمْرِهِ .