(17: 29) ، وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ حَدِيثُ نَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ التَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَإِجَازَتِهِ بِالثُّلُثِ مَعَ قَوْلِهِ:"وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ". وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - يَسْمَعُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَمْرَ فِيهِ الشِّدَّةُ ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى بَادِيَتِهِ ، ثُمَّ يُرَخِّصُ فِيهِ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ ، فَيُحْفَظُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ الرُّخْصَةَ ، فَلَا يَسْمَعُهَا أَبُو ذَرٍّ ، فَيَأْخُذُ أَبُو ذَرٍّ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ الَّذِي سَمِعَ قَبْلَ ذَلِكَ . ا هـ . وَالسَّبَبُ الْحَقِيقِيُّ لِتَشَدُّدِهِ اسْتِعْدَادُهُ الْفِطْرِيُّ لِلْأَخْذِ بِالْعَزَائِمِ ، وَاحْتِمَالِ الشَّدَائِدِ ، وَاحْتِقَارِ التَّنَعُّمِ ، وَالسَّعَةِ فِي الدُّنْيَا ، وَعُرِفَ هَذَا التَّشَدُّدُ عَنْ أَفْرَادٍ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ - وَنَهَاهُمْ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدِ اخْتَبَرَهُ مُعَاوِيَةُ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَالًا كَثِيرًا ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ تَصَدَّقَ بِهِ ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ صُهَيْبُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَهُوَ أَمِيرٌ بِالشَّامِ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ ، وَقَالَ: اسْتَعِنْ بِهَا عَلَى حَاجَتِكَ ، فَرَدَّهَا ، وَقَالَ لِرَسُولِهِ: ارْجِعْ بِهَا إِلَيْهِ ، أَمَا وَجَدَ أَحَدًا أَغَرَّ بِاللهِ مِنَّا ؟ مَا لَنَا إِلَّا الظِّلُّ نَتَوَارَى بِهِ ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ غَنَمٍ تَرُوحُ عَلَيْنَا ،