ولا أحد من البشر أعظم ظلماً ولا أكبر جرماً من عبد ذُكِّر بآيات الله، وبُيِّن له الحق من الباطل، والهدى من الضلال، ورُهِّب ورُغِّب فظل على شركه، ولم يتذكر بما ذكر به، ولم يرجع عما كان عليه من الشرك، ونسي ما قدمت يداه من الذنوب كما قال سبحانه: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ
يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57) [الكهف: 57] .
فهذا أعظم ظلماً من المعرض الذي لم تأته آيات الله ولم يذكر بها، فهما وإن كان كل منهما ظالماً، إلا أن من عصى على بصيرة وعلم، أعظم ممن ليس كذلك.
فهذا الظالم لما ذكر بآيات الله ثم أعرض عنها، عاقبه الله بأن سد عليه أبواب الهداية .. وجعل على قلبه أكنة تمنعه أن يفقه الآيات وإن سمعها .. وجعل في أذنه وقراً يمنعه من سماع الآيات على وجه الانتفاع كما قال سبحانه: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (46) } [الإسراء: 45،46] .
فالحجاب يمنع رؤية الحق .. والأكنة تمنع من فهمه .. والوقر يمنع من سماعه.
والظلم ثلاثة أنواع:
الأول: ظلم بين الإنسان وبين الله تعالى، وأعظمه الكفر والشرك والنفاق كما قال سبحانه: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) } [لقمان: 13] .