وبعض العارفين بالله قد يكشف لهم الله لمحة من لمحات الغيب ، فيخبر الواحد منهم الناس ، فيخلف الله سبحانه وتعالى ما كشفه ؛ حتى يظل الله وحده عالم الغيب ؛ فما دام ذلك اصطفاه الله بغيب أطلع الناس عليه . فسبحانه يُغيِّر أحداث الغيب ولا يعطي لذلك الشخص خبراً عن أي غيب آخر .
إذن فكلمة: {إِن شَآءَ} هي إثبات لطلاقة قدرة الله في كونه ، فإن شاء أعطاكم ، وإن شاء لم يُعْطِكم ، فالإعطاء له حكمة ، والمنع له حكمة ، فقد يفتري البعض بالنعمة فيحجبها الحق عنهم ، وهذا ما حدث في كثير من البلاد التي طغت وكفرت بنعمة الله عليها ؛ لأنه سبحانه لو ترك النعمة هكذا بدون ضوابط لاستشرى في تلك البلاد الفساد والمعاصي ، إذن: فالمشيئة تقتضي إعطاءً ، أو منعاً ، والإعطاء له حكمة ، والمنع له حكمة ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يعامل خلقه على أنهم من الأغيار القُلَّب ؛ منهم من يأتيه النعمة فتطغيه ، ولذلك يقول سبحانه وتعالى:
{فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ ربي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ ربي أَهَانَنِ} [الفجر: 15 - 16] .
أي: أن الإنسان إذا أنعم الله تعالى عليه ، عدّ هذا كرماً من الله عز وجل ، وإذا ما ضيق الله عليه الرزق اعتبر ذلك إهانة وعدم رضا من الله .
ويرد الله تبارك وتعالى ليصحح المفهوم فيقول:
{كَلاَّ} أي لا المال دليل على الإكرام ، ولا قلة المال دليل على الإهانة . {كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم * وَلاَ تَحَآضُّونَ على طَعَامِ المسكين * وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً * وَتُحِبُّونَ المال حُبّاً جَمّاً} [الفجر: 17 - 20] .