الصالح - رضي الله تعالى عنهم - ما ازدادوا بهذا إلا إقدامًا على الأخطار، وتقدمًا
في الفتوح والاستعمار، وخلفنا الطالح جعلهما بمعنى الجبر وسلب الاختيار، واسمع
بعض ما لهم في هذا من الأشعار:
جرى قلم القضاء بما يكون ... فسيان التحرك والسكون
جنون منك أن تسعى لرزق ... ويرزق في غشاوته الجنين
ومنها فهمهم للتوكل بما يوقع في الكسل، ويحول دون التدبير والجد في
العمل ومما نظموه في ذلك:
لا تدبر لك أمرًا ... فأولوا التدبير هلكى
حقق الأمر تجدنا ... نحن أولى بك منكا
وكذلك فَهْمُهم للقناعة بما يؤدي إلى مثل هذه الشناعة، قالوا:
اقنع بخبز وملح ... وماء وجهك صنه
فالرزق لا شك يأتي ... والموت لا بد منه
ومنها غير ذلك مما أكثرنا الكلام فيه من قبل، فلا نعيده، فالبحث في هذه
الأشياء على غير ما ألِف الناس وفهموا يثير فيهم الحيرة والاضطراب، والخلاف فيها
بين المصلحين وبين المحافظين على مرضاة الجماهير يثير في النفوس رواكد
الأوهام ويوقعها في الحيرة والاضطراب.
ومما يعد في القسم الأول وليس من الدين، الاعتماد على الحكام في جميع
الشؤون العامة، ومنه الانتفاد على الرؤساء من الحكام والعلماء، فإن بعض الباحثين
في أحوال الأمة ممن لهم نظر في علم الاجتماع يرون أن الأمة لا تنجح ما دامت
تخضع لهم الخضوع الأعمى، بل لا بد أن تفهم وظائفهم وتلزمهم بها، ويرون أن
الانتقاد عليهم مضر إلا في مصر بالنسبة لحكومتها، فإن الأكثرين يرون الانتقاد
على حكومتهم لاتهامها بممالئة المحتلين دون الانتقاد على حكومة الدولة العلية، ومنه
أن معرفة الحق بقائله، وهذا مجال واسع ومضراته كثيرة، وله شُعب لا تحصى
من أهمها عدم أخذ العلم والصناعة عن الأوربيين، ومن الناس من يدخل هذا الأخير
في باب الدين، فيزعم أن جميع ما نحتاج إليه في هذا العصر يوجد في كتبنا،
وإذا نازعه في هذا منازع يرميه بنسبة الدين وأهله للتقصير، ومنه مسألة
تربية النساء وتعليمهن فنون تدبير المنزل وتربية الأولاد والاقتصاد في المعيشة،
ومن الناس من يهدم هذا الركن من سعادة الأمة بمعول الدين ذاهبين إلى أن المرأة ما