شمل المسلمين، ويعتقد الذين لا يقنطون من رحمة الله ولا ييأسون من روحه أنه
لابد أن ينجز لهذا الدين وعده {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّه} (التوبة: 33) فيستمر
ظهوره وغلبته إلى آخر الزمان، وقد ورد في الخبر: إن أمة النبي صلى الله عليه
وسلم كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره، بل ورد أيضًا أن الخير فيه -عليه
الصلاة والسلام- وفي أمته إلى يوم القيامة.
قد أتى على الأمة حين من الدهر والخير فيها يقل والشر ينمو , حتى وصلت
إلى ما هي فيه اليوم، وإننا نرى الآن في جوّها المظلم بالفتن برقًا يومض بين
الغيوم المتكاثفة، ويوشك أن يعم فيكون الظلام نورًا، وأقول كما قال حكيمنا:
إنني أرى في هذه الشجرة اليابسة - الأمة الإسلامية - ورقات خضر ولا أدري هل
هي من بقايا حياتها الأولى أم هي مبدأ حياة جديدة؟ وأزيد على هذا ترجيح
الشق الثاني بدليل أن الورقات تزيد ولكنها عرضة للتصوّح والسقوط بما يهب عليها
من بوارح المحن وزعازع الفتن , إذا لم تُحَط بالتربية الصحيحة، ولذلك شبهت
الطور الذي فيه الأمة الآن بطور الطفولية، ونبهت إلى شدة الحاجة إلى المربين
والمثقفين.
أليس السواد الأعظم مِنَّا لا يهمهم إلا لذّاتهم وحظوظهم الشخصية كما هو
شأن الأطفال؟! هل يفقهون معنى الأمة ويعلمون ما هي المقومات التي تقوم
بها، والروابط التي تجمعها والأمر الذي تؤمه وتقصده؟ هل يتفكرون في الحياة
الاجتماعية وما يعرض عليها؟ كلا إن من يتجاوز فكره محيط شخصه فلا يعدو بيته
وولده وهو في هذا لا يمتاز على الأنعام، وإذا ذكرهم مذكر ونبههم منبه حارون
وتضطرب أفكارهم، ولا يكادون يفهمون الحقيقة , وهم الآن على درجات: فمنهم
مَن لا يفكر في معنى الأمة قط، ومنهم مَن يرى البعيد قريبًا كالطفل الذي
يمد يده لتناول القمر كما جرى ويجري لبعض الحكام وأصحاب السلطة , كإسماعيل
باشا وأصحاب الفتنة العرابية، ومنهم من يرى نفسه عاجزًا عن كل شيء ,
ويرى الحاكم قادرًا على كل شيء كما هو شأن الطفل الذي يطلب القمر أو الطير
في الهواء من أمه أو أبيه، ومنهم من يفتكر في المصالح والمنافع التي تخص